أوهام الإعلام الرياضي العربي   

2022-09-30 21:15
أرشيفية- مصور تلفزيوني يواكب إحدى الفعاليات الرياضية عام 2008 (Getty)
إياد الصالحي

إياد الصالحي

كاتب رأي
Source
المصدر
winwin
+ الخط -

عجزت كل ورش التطوير المهني عن فكّ طلاسم أوهام الإعلام الرياضي العربي، الذي يُساير العصر الجديد بلا مُعالجة ناجعة تحافظ على رمزيّة وتاريخ ما أنجزهُ بُناة سُلطة الرأي الحُرّ عبر عقود من ثوابت أساسها أخلاقيّات المهنة، التي لم تعد المعيار الحقيقي في مواصلة العمل الصدوق، بعد توالي الاهتزازات الفاضِحة في كمائِن الفساد المادي والاعتباري!

من يتحمّل مسؤولية ما بلغهُ واقع الإعلام الرياضي في المنطقة، من تراجعٍ كبيرٍ لجيل جديد يتعامل بسطحيّة وشكليّة مع وقائع خطيرة تمرُّ بها رياضة العرب على مستوى الإدارة وصناعة البطل،.. يبحثون عن كشف المستور ويجهلون التعاطي مع نتائجه، سواء في صحيفة أم برنامج تلفازي أم موقع إلكتروني، وتلك من أسوأ مظاهر التخلّف الذي يمرّ بها الإعلام الرياضي العربي، علاوة على تقاعس قياداته المحليّة في إخراج رجالات ونسوة المهنة من توهيم الشخصية وفعلها خارج المنطق ومساحة الحدث!

إن تعدّد وسائل التعبير عن هوية الإعلام الرياضي في المنطقة أضاعت قيمته المُهمّة في المجتمع، وأخرجته للناس كـ"كائن غريب" مُتعدّد الأذرع، استغلّه البعض للترهيب والابتزاز والتضليل والانتفاع أيضًا، حتى توهّم المُنجذبون لهذا الوصف من حاملي بطاقات المهنة بأنهم بلغوا أعلى درجات التقييم، وأصبحوا من مشاهير البلد، لكنَّ الحقيقة أنهم أدوات صالحة لتخريب الدور الإعلامي الوطني، الذي يفترض مواكبته لأزمات الرياضة لإيجاد الحلول، لا لسكب الزيت على النار وزيادة رُقَع الحرائق.

المُثير في الأمر أن الاتحادات والروابط المحلّية العربيّة المسؤولة عن الإعلام الرياضي غادرت مسؤولياتها الفعليّة من زمن بعيد؛ بسبب تخلّيها عن ممارسة الرقابة والتوصية بالعقاب أو الثواب انسجامًا مع خطورة التقلّبات التي يمرّ بها الإعلام، كنتيجة لإرهاصات سياسيّة واقتصادية أقلقت البلدان، ولم تراعِ تلك الاتحادات تبعات الإهمال المقصود للسلوكيّات السيّئة لحاملي بطاقات المهنة، وإلا ما جدوى وجود الاتحاد أو الرابطة والانتماء للهيئة العامة؟

كيف نُرسِّخ مقولة "الإعلام شريك صميمي لصناعة الإنجاز"، وهناك مَن هو شريك مُتّهم في قتل المواهب من خلال تزويق حقيقة هذا الاتحاد أو ذاك؟ ومتى يستدرك بعض الزملاء أن مكاشفة المسؤول الرياضي عمّا يجري في اتحاده لا تعني مجاملته تحت ضغط قوّة العلاقة بينهما؟ الصحيح أن تتغلّب قوّة مبادئه المهنيّة على مشاعر الصداقة، ويُجابه ضيفه بكل الاتهامات والدلائل التي تؤكّد أنه مسؤول فاسد عَبِثَ في أموال اتحاده، وقاد لعبته وأبطالها الى المجهول، ولابدّ أن يعترف هذا المسؤول بعدم استحقاقه الاستمرار في موقعه، لا أن يمنحه الإعلام نجّادة الخلاص من الغرق بمقابلة صحفيّة "تنشيطيّة" بعيدة عن الحقيقة.

على النقيض من ذلك، هناك قصص مُفرحة تبثُّ التفاؤل بأنّ مستقبل الإعلام الرياضي العربي يُبشّر بنتائج مُطمْئِنة؛ في ظلّ ممارسة زملاء شباب "من كلا الجنسين" المهنة بأصولها، وبدرجة كبيرة من الحرص، وقدرٍ مُتّزن من الوعي الشخصي والبيئي، استفاد من عِبر الماضي والحاضر.. هؤلاء يعرفون أن بناء قاعدة الإعلام النظيف ليس أمرًا سهلًا في وقت نخرتْ ديدان المصالح القاعدة، وأمسَتْ بحاجة الى إجراءات علميّة وعمليّة تبدأ من شرط التخصّص الأكاديمي أولاً لمنح البطاقة الصحفية، بعدما ظلّ باب الإعلام بلا مزلاج لعقود خلت، وافتقد خلالها أسس الاعتماد في العمل، فمن غير المعقول مثلًا أن تسمح نقابة الأطباء بمنح تأييد طلب انتماء شخص إليها وهو غير حاصل على شهادة كلية الطب، وقِس ذلك على المهندس والمُعلّم والصيدلي والمحامي وغيرهم، فلماذا يُقبل أي شخص يمتلك علاقات خاصة بحمل بطاقة الإعلام، لمجرّد أنه كتب رأيًا ساخنًا في موقع اجتماعي تهجّم فيه على مسؤول ما، أو حشَّدَ آلاف المُتابعين لصفحته للتنكيل بهذا اللاعب أو ذاك المدرب، وما أكثر المُتسلّلين الدُخلاء فوق جدار السلطة الرابعة ممّن لا مهنة لهم.

أكثر ما يُقلق المراقبين لمشاهد الإعلام الرياضي العربي أن تندثر الوسائل المهنيّة في مواكبة الحدث، وتنبري بدلًا عنها أدوات مواقع "السوشيال ميديا" لتحتّل الصفوف الأولى، وتأخذ المبادرة والسبق بعمل فوضوي لا يستند إلى ضوابط وسلوك الإعلام وتأثيرات المُتلقّي وأضرار التفاعل السلبي، خاصة إذا ما تناول شأنًا وطنيًا يخص نجوم المنتخب، أو يؤجِّج فتنة كبيرة تهزّ أوساطًا معيّنة في المجتمع بغطاء الرياضة.

دعوة إلى الاتحادات العربية المعنيّة بالصحافة والإعلام إلى توحيد الكيان الكبير الجامِع لنظامهم المهني والاعتباري بمقترحات وجيهة تضبط آليات العمل، وتتلاقح مع الأفكار المُراد تنفيذها، وتتابع من خلال لقاءات مُشتركة لكيفيّة الارتقاء برسالة الإعلام الحقيقي، وتعلن توصياتها، وتعاود متابعتها حتى يستَتِبّ وضع الجميع بأداءٍ يرتقي مع طموحنا نوعًا وتأثيرًا وأخلاقية.

شارك: