كلمات عابرة.. سهام في عين العنصرية

2022-11-24 15:45
حوار إنساني معبر بين القطري غانم المفتاح والأمريكي مورغان فريمان في حفل افتتاح مونديال قطر (Getty)
العربي محمودي

العربي محمودي

Source
المصدر
winwin
+ الخط -

ولو كان سهماً واحداً لاتقيتهُ.. ولكنـه سهـمٌ وثـانٍ وثـالـثُ!

ربما يسلّي الجزء العنصري في أوروبا نفسه بتذكّر هذا البيت الجليل وهو يتلقى الضربات يميناً ويساراً في كأس العالم.. كأس العرب!

لقد شنّ هذا الجزء البغيض حروباً لا تنتهي على استضافة قطر لهذه المسابقة الدولية الكبرى، وعند فحص هذه الهجمات التي تلقتها قطر فإن الحقيقة تفرض نفسها: ليس في هذه المزاعم شيء يرقى إلى درجة المصداقية أو يمرّ بقربها حتى!

تحدثوا عن الكلفة المالية وقالوا إنها أرقام مبالغ فيها، ولم يصارحوا مستمعيهم بأن تلك الكلفة لا تمثّل مصروفات كأس العالم وحسب، بل تمثّل جزءً رئيسياً من رؤية قطر 2030، جرى إنجازه بمناسبة كأس العالم، فخرجت مدينة لوسيل من كونها حلماً إلى مطالع الحقيقة، وامتدت سكة المترو لتصل مناطق البلد ببعضها بعضاً، وتيّسرت الشبكات المائية والكهربائية، وتمت توسعة مطار حمد الدولي وميناء قطر، وتحسين كامل البنية التحتية للدولة.

جميع هذه المنجزات المذهلة يشاهدها كل من جاء إلى الدوحة أو مشى في جنباتها لساعتين من زمن، لكن جزء أوروبا المريض لم يُرِد أن يصارح به مستمعيه مع علمه التام به، لا لشيء إلا لكون المراد هو التشويه والإساءة لا غير.

وحين جاء وقت ردّ الجواب لم تكن قطر هي من بادرت به لوحدها، بل انبرى له رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، وهو رجل أوروبا لا مجال للطعن في أوروبيته ولا ثقافته ولا ذكائه، ولكنه كإنسان قد هاله حجم ما وصل إليه الهجوم على الدولة المستضيفة فانتفض ليتحدّث بما صمت عنه كثيرون.

كان سهم جياني هو السهم الأول في الجواب، إذ قال "صاحبهم" ما مفاده أن أوروبا التي توزع الاتهامات على الآخرين يجدر بها أن تستخدم اختراعاً قديماً ولكنه مفيد، هو اختراع المرآة، لترى أنها قد غزت واحتلّت ودمّرت أجزاء واسعة من البشرية طوال الـ 3000 سنة الماضية، وأنه يجب عليها حين تطالع وجهها القبيح، وأن تلتزم قليلاً من الحياء وتبادر للاعتذار قبل أن تفكر مجرد التفكير في أن تطرح نفسها كواعظ أخلاقي يعلّم البشرية الأخلاق السامية ونبيل الصفات!

قال لهم جياني "استحوا" وكان ذلك هو السهم الأول.

ثم جاء حفل الافتتاح فكان السهم الثاني الذي كسر ظهر العنصرية برسالة إنسانية سامية، رسالة قدمتها الدولة المستضيفة حين جمعت غانم المفتاح ومورغان فريمان ليقولا بهدوء للبشرية جمعاء أنه ليس مطلوبًا ولا مفروضًا علينا أن نتشابه، يمكننا أن نختلف، أن نتنوع، أن لا نكون مثل غيرنا؛ فذلك هو معنى الوجود الإنساني برمّته، الوجود القائم على إثراء البشرية بمساهمة كل فرد منها في مسيرته بما لديه من قدرات وإمكانات ومواهب دون أن يضطر ليكون نسخة مكررة من غيره.. إن ذلك التنوع هو ما يتيح لكل منا مساحة للإفادة والاستفادة ما دام أنه قائم على أساس واضح مفهوم للجميع عنوانه: الاحترام!

نعم، الاحترام الذي جعلته المؤسسات الرياضية شعارها لأنه الكلمة المؤسسة لإمكانية التعايش، والكلمة التي تسمح لكل مجموعة بشرية أن تتمسك بخصائصها المشكِّلة لذاتها المتفرّدة، الكلمة التي تقاوم نزعة الجزء العنصري في أوروبا، نزعة الاستقواء والسيطرة والاستفراد.. وتعيدها لحجمها الطبيعي.. جزء من العالم لا كل العالم!

تلك كانت رسالة حفل الافتتاح الأهم.. السهم الثاني الذي لو استوعبه الجزء العنصري من أوروبا لعاد إلى رشده.

لكن أوروبا المتخمة بالمادة لم تكن لتستجيب سوى لسهم مالي يقنعها ويفضح تآمرها، لقد فعل الجزء العنصري من أوروبا كل شيء ليكون المونديال العربي فاشلاً و لا يحصد أي تفاعل، بلغ الأمر أن قنوات بريطانية يفترض بها المهنية والحياد قد امتنعت عن عرض حفل الافتتاح، فيما قامت قنوات فرنسية بمهاجمة المونديال بطريقة مضحكة وصلت إلى درجة الشكوى من كثرة المساجد في قطر، فماذا كانت النتيجة؟

لقد شاهد البريطانيون الحفل عبر قنوات أخرى، فيما حققت مباريات المونديال نسب مشاهدة مرتفعة للغاية في فرنسا تحديداً بما يتجاوز ما حققته كؤوس عالم سابقة.. وهكذا اكتشفت قنوات الضخ العنصري أن سمومها لم تفلح في تلويث سلوكيات البشر الطبيعيين، وكسبت القنوات التي اقتنت حقوق بث كأس العالم مشاهدين جدداً وعائدات مادية أفضل؛ أقنعت القنوات المقاطعة أنها عاقبت نفسها بالامتناع عن البث.. ولله در الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله!

تصريح إنفانيتنو.. ورسالة حفل الافتتاح .. وأرباح القنوات التي بثت مباريات كأس العالم العربي كانت كلها سهامًا في صدر من لا يؤمنون بأن للبشرية حقاً في الاحترام.. وعليهم واجب الالتزام تجاه هذا الحق.

لقد هُزِمت العنصرية بالكلمة.. وهزمت بجمال حفل الافتتاح ورسالته.. وهزمت بالأرباح التي حققها الجزء غير العنصري من أوروبا.. ولن نقول إن هزيمة الفريق الذي افتعل المشكلات منذ البدء (فريق يبدأ اسمه بألمانيا!) أمام الكمبيوتر الياباني قد كانت سهماً رابعاً في هذه القصة.. فنحن نؤمن أن نتائج المباريات لا تصلح مقياساً للانتصار ولا الهزيمة في قياسات الأمم، لن نقول هذا طبعاً وإن كانت الصراحة تقتضي أن نعترف:

لم نحزن كثيراً لخسارة المانشافت.. الواقع أننا كنا مسرورين!

شارك: