قطر تواصل إبهار العالم باستضافة أكبر الأحداث الرياضية
لا غرابة في أن تصبح قطر عاصمة للرياضة العالمية بعدما نجحت الدولة الخليجية في جعل الرياضة أحد أهم أعمدة قوتها الناعمة، لتصبح الدوحة مركزاً عالمياً لاستضافة أبرز الفعاليات الرياضية الدولية في السنوات الأخيرة، بفضل رؤية واضحة واستثمارات ضخمة في البنية التحتية والموارد البشرية والتنظيم الاحترافي.
على مدار العقدين الماضيين، تحولت دولة قطر من دولة طموحة تسعى لتعزيز مكانتها الرياضية، إلى مكان يألف الأحداث الرياضية بشكل عام بعدما استطاعت بفضل الإمكانات الهائلة المسخرة، في تغيير الصورة النمطية للبطولات والفعاليات الرياضية.
تعج الروزنامة القطرية بالأحداث الكبيرة خلال السنوات الأخيرة، فتكاد لا تخلو فترة من بطولة عالمية تضع الدوحة في قلب الأحداث، فلم تكن نهائيات كأس العالم 2022، كما توقع الكثيرون أن تكون نهاية الدور القطري في التنظيم الرياضي.
بل أضحت نقطة انطلاقة نحو أفق أوسع خصوصاً في ظل النجاح المذهل الذي تحقق وفق إقرار رسمي من الاتحاد الدولي لكرة القدم، بأن نسخة قطر كانت الأنجح في التاريخ وعلى مختلف الأصعدة.
ولعل جسور الثقة التي بُنيت بين قطر والاتحاد الدولي، قد أنجبت علاقة وطيدة بين الطرفين، من خلال عزم FIFA على استثمار البنى التحتية العالمية والملاعب الأيقونية التي شيّدت خصيصاً للمونديال الأفضل في التاريخ، عبر منح الدوحة حقوق أحداث أخرى منها على سبيل المثال نهائيات كأس العالم تحت 17 عاماً المقامة حالياً على ملاعب أكاديمية التفوق الرياضي أسباير، وفق علاقة مستدامة على اعتبار أن نسخة العام 2025 هي الأولى من أصل 5 نسخ متتالية ستبقى فيها الدوحة محط الأنظار لقراءة مستقبل أفضل النجوم الصاعدة في عالم كرة القدم لـ5 سنوات قادمة.
المكانة المرموقة للدوحة لم تأتِ صدفة
وضعت الدوحة نفسها في مقام عالمي رياضي عالٍ، على اعتبار أن الرؤية القطرية في استضافة الفعاليات الرياضية الكبرى تقوم على حُسن التنظيم والإعداد الجيد للبطولات وحفاوة استقبال الجماهير وتوفير سبل الراحة لهم، وتكرس صورة مختلفة ثقافياً واجتماعياً.
تجاوزت دولة قطر الأحكام المسبقة التي تعتمد على صورة نمطية لم تكن تخصّها وحدها، بل المنطقة العربية والخليجية بشكل عام، وأسهمت الأحداث المتتالية في تغيير جذري لتلك الصورة، وصولا إلى مفهوم خاص كوّنه المشاركون والزائرون عن القيمة التي وصلت إليها الدولة من رقي وحضارة.
وراكمت الدولة القطرية خبرات تنظيمية من خلال استضافة أحداث متنوعة، لكن مناسبات بعينها كان لها أثر ملموس كأساس في بناء المكانة التي وصلت إليها الدولة.
آسياد 2006 ونقطة التحول
البداية الحقيقة كانت من استضافة الدوحة دورة الألعاب الآسيوية التي شكّلت نقطة تحول كبرى في لفت الأنظار الى قوة قارية قادمة بقوة، حيث كانت قطر أول دولة خليجية تستضيف هذا الحدث القاري بمشاركة أكثر من 10,000 رياضي، وأبانت خلالها عن قدرات تنظيمية مثالية وضعها ضمن مصاف الدول المؤثرة رياضياً.
ورغم تنظم الدولة القطرية لعديد الأحدث الرياضية، فإن كرة القدم بدأت بأخذ النصيب الأكبر من الاهتمام، خصوصاً عقب الصدى الذي أحدثته الاستضافة المفاجئة لكأس العالم للشباب عام 1995 بعد اعتذار الدولة المنظمة، حيث اختار الفيفا الدوحة قبل أسبوعين فقط من انطلاقة البطولة لتنقذها من خطر الإلغاء بعد اعتذار الدولة المحددة سابقاً لاستضافة الحدث الكبير (نيجيريا)، ودفع نجاح البطولة المسؤولين إلى الاستثمار في كرة القدم لشعبيتها الجارفة.
وفي الألفية الجديدة، كانت "خليجي 17" عام 2004 فرصة سانحة لإظهار المستجدات التنظيمية القطرية الحديثة لدول الجوار من خلال تقديم ملاعب بحلة جديدة، ثم جاءت دورة الألعاب الآسيوية 2006، لتعود كرة القدم إلى الواجهة عبر كاس آسيا 2011.
كرة القدم تعود لتؤكد الريادة
منذ ديسمبر/ كانون الأول عام 2010 وفور الإعلان عن فوز دولة قطر بتنظيم كأس العالم 2022، فُتح قوس جديد أمام ريادة قطرية ظلت قائمة حتى الآن، بعدما باتت الدوحة محط اهتمام عالمي كبير، دون أن يؤثر ذلك في تواصل استضافة أحداث أخرى نوعية.
وعادت الدولة القطرية إلى ألعاب أخرى في مسعى لتأكد التنوع في الاستضافات الرياضية، فكانت بطولة العالم لكرة اليد 2015، ثم بطولة العالم لألعاب القوى 2019 والتي شهدت مشاركة نخبة من نجوم العالم في هذه الرياضة، حيث تم تنظيم البطولة بمعايير استثنائية رغم التحديات المناخية، مع الاعتماد على تقنيات التبريد داخل استاد خليفة الدولي.

واقتحمت قطر رياضات نوعية بعدما نجحت الدوحة في احتضان منافسات بطولات على غرار سلسلة سباقات السيارات فورمولا 1 انطلاقة من عام 2021، إلى جانب الروزنامة الثابتة لبطولات التنس للمحترفين للرجال والسيدات، وبطولات العالم في رياضات الجودو والمبارزة والجمباز والسباحة والبلياردو.
لكن كرة القدم مع اقتراب المونديال بدأت تحظى باهتمام خاص، حيث استضافت الدوحة نسختين من كأس العالم للأندية ثم المباريات النهائية لبطولة كأس إنتركونتيننتال في أول نسختين له 2024 و2025.
وبعد طول غياب، كانت الدولة القطرية تعيد للحياة لبطولة بطولة كأس العرب في نسختها العاشرة 2021 والتي جاءت بإشراف من الاتحاد الدولي، وكانت البطولة بمثابة تدريب مثالي لقدرات الدوحة التشغيلية للبنى التحتية وملاعب المونديال الجديدة.
ليأتي النجاح الباهر للبطولة بمثابة رد قوي جداً على المشككين، لكن الرد الأبلغ كان خلال مونديال 2022 الذي سيبقى عالقاً في أذهان العالم لسنوات طويلة باعتباره الأنجح على الإطلاق وبعدة ميزات منها التقارب بين الملاعب الذي سيبقى مطلب اللاعبين باعتبارهم العنصر الأهم في اللعبة.
وبقيت الدولة القطرية في قلب الأحداث من خلال استضافة كاس آسيا 2023 وكاس آسيا للمنتخبات الأولمبية تحت 23 سنة عام 2024، وصولاً إلى مونديال الناشئين تحت 17 عاماً، وها هي ستحتضن بعد أيام النسخة الـ11 من كأس العرب 2025.
قطر والقوة الدبلوماسية الناعمة
كل النجاحات التي حقتها وتحققها قطر من خلال استضافة الأحداث الرياضية، أكدت مكانتها المرموقة في العالم بعدما أضحت رائدة على المستوى الدولي بقوة الدبلوماسية الناعمة من خلال الرياضة.

واستثمرت الدولة القطرية من أجل مواصلة ريادتها، في الزاد البشري من خلال تطوير كوادر رياضية وإدارية محلية، وأسهمت في تصدير خبراتها إلى دول أخرى من خلال مشاريع رياضية.
وممّا لا شك فيه أن الدولة القطرية أصبحت خياراً أولاً للاتحادات الدولية لاستضافة الفعاليات القادمة من خلال ما تملكه من بنى تحتية وإمكانيات بشرية هائلة تضمن النجاح لأي حدث رياضي، ما يضمن بقاء الدوحة في قلب العالم مستقبلاً.
