غوارديولا وهالاند.. الرغبة المتوحشة!

2022-09-22 14:53
النرويجي إيرلينغ هالاند والإسباني بيب غوارديولا (Getty)
محمد العولقي

محمد العولقي

كاتب رأي
Source
المصدر
winwin
+ الخط -

كرة القدم في الظاهر تبدو لُعبة سهلة يُمكن قراءة بساطتها في مهارات اللاعبين عند التمرير، لكنها في الباطن لعبة مُعقدة ولوغاريتم صعب لا يستطيع سبر أغواره وفك طلاسمه إلا الجهابذة من فرسان الحذق التدريبي.

أعتقد أنني أكثر كتاب (winwin) اهتمامًا بما يفعله فيلسوف كل الشاكلات بيب غوارديولا مدرب فريق مانشستر سيتي الإنجليزي، ومبعث اهتمامي بهذا المدرب أن عطاءه الخططي يتجدد وأفكاره ليس لها سقف معين، وهذا في حد ذاته يضعه دائما على صفيح ساخن.

أعترف أنّ هذا الإسباني الذي يراه السواد الأعظم من الفنيين والمحللين وامتدادًا لعبقرية الهولندي الراحل يوهان كرويف، ليس مجرد مدرب يختار 11 لاعبًا لتنفيذ مهمة ما، بل هو مدرب حاذق يعرف كيف يصقل ويوظف اللاعبين تكتيكيًا وفينًا ونفسيًا وبالطبع ذهنيًا. 

فمن النادر -و النادر لا حكم له- أن تحظى بمشاهدة مدرب يُمارس التفكير بكل هذه السلاسة وبمنتهى البساطة دون أن يترك في داخلك الكثير من الأصداء الجميلة، فغوارديولا من وجهة نظري أضاف الكثير جدًا لتشكيلات اللعبة، و منح الخطط و الحيل الكروية الكثير من الأبعاد التي تضعه الأول في هذه الألفية كمجدد وصاحب فكر لا يدانيه أحد.

ولطالما اكتوى غوارديولا بنار ابتكاراته الكثيرة خصوصًا في المباريات الصعبة التي تتطلب واقعية أكبر، ولطالما دفع ثمن فلسفته التكتيكية غاليا في مباريات (الخطأ فيها ممنوع).

وحتى إذا كان (بيب) يخيرنا بين كرة باردة وسطحية خالية من كولسترول المفاجآت التي يقدمها الآخرون في الدوري الإنجليزي الممتاز، وكرة جميلة خلابة مدهشة تجمع بين اللعب (الفرجوي) أو الاحتفالي والنتائج التراكمية تلك التي يقدمها السيتي، إلا أن هذا الجمال يصاب بالكثير من الانقباض في الأمتار الأخيرة من دوري أبطال أوروبا تحديدًا.

والسبب في هذا الانقباض التكتيكي يرجع إلى مغامرات هذا المدرب الذي لا يتوب من ابتكاراته القاتلة، وكأنه لا يتعلم كالشطار من هذا التكرار، ولا يؤمن بأن في الإعادة إفادة. 

ولا يختلف اثنان على أنّ غوارديولا مُلهم حقيقي على المستوى التكتيكي، ولطالما كان أكبر مناصر لمدرسة الهولندي العملاق رينوس ميتشيلز؛ المدرب الذي ابتدع طريقة الطاحونة في مونديال ألمانيا 1974، وهي الطريقة التي كانت حدثا مدهشا في زمن ساد ثم باد. 

مُنذ أنّ حط غوارديولا رحاله في مانشستر سيتي وهو يحمل نفس الجينات التكتيكية ونفس النهج الفني، وعندما اختار خط الوسط قفلا ومدارا لشاكلة لعبه، كان في الواقع يمارس باحترافية بعض الحيل التي طبقها في برشلونة، وبفضلها احتكر الفريق الكتالوني كل البطولات المُمكنة محليًا وقاريًا.

حتى الموسم الماضي بلغ هوس غوارديولا باللعب دون مهاجم صريح- يجسد مركز رأس الحربة- حدا لا يُطاق، وانتفخت أوداجه كثيرًا وهو يفوز ببطولة الدوري الإنجليزي دون مقارعة حقيقة عدا محاولات يائسة من ليفربول.

لكن طريقة اللعب بمهاجم وهمي يستند عمله على فتح المساحات للقادمين من الخلف تلقت ضربة موجعة بعد السقوط الدراماتيكي الموسم الماضي أمام واقعية ريال مدريد في الدور نصف النهائي لدوري أبطال أوروبا.

وقع هذا المدرب في بعض الأخطاء التكتيكية، فقد أغفل بعض الجزئيات الصغيرة، فسقط في مدريد مثلما سقط قبلها بنفس الأخطاء التكتيكية أمام تشيلسي في نهائي دوري الأبطال قبل عامين، ومثلما تجرع من نفس الكأس قبل ذلك أمام ليون الفرنسي.

غوارديولا يتخلى عن عناده!

لهذا السبب تخلى (بيب) عن عناده أخيرًا واهتدى إلى إجراء تعديل حيوي على شاكلة اللعب، فمع جلب مهاجم مثل النرويجي إيرلينغ هالاند أصبح مانشستر سيتي أكثر واقعية وفاعلية و شراسة عن ذي قبل.

وعندما يمتلك السيتي صانعًا للألعاب مثل البلجيكي كيفن دي بروين يستمد من تحركاته قوته وبريقه، ثم يمتلك ثلاثيا هجوميا منضبطا تكتيكيا يترنح على كل الجبهات برشاقة، فمن المنطقي أنّ يكشر هالاند عن أنيابه ويتحول إلى وحش مخيف يصعب على المدافعين ترويضه.

ومع وجود آلة هجومية بهدير مخيف لا تكف عن النبش والتسجيل يستطيع غوارديولا فرض تفوقه ميدانيًا و تقنيًا وتكتيكيًا، فإلى جانب فرديات لاعبيه الفنية بإمكان غوارديولا منح أسلوبه المرونة التي تسمح له بتليين نهجه و تسريع وتيرة الأداء.

اقتناع غوارديولا بالمهاجم هالاند لم يأت من فراغ، ففي الواقع أن النرويجي تعرض لفحص فني وتكتيكي دقيق للغاية إلى أن اتضحت الرؤية وتبينت الأسباب التي فرضت جلبه من بوروسيا دورتموند من بينها أنه هداف يغلي الإصرار بداخله كبركان ثائر يقذف حممه، كما أنه من النوع المتوحش الذي يتأجج فيه لهيب إحراز الأهداف المستحيلة. 

وأهم ميزة استرعت انتباه غوارديولا في مهاجمه الجديد القناص أنه سريع البديهة، يقتنص الأهداف من أوضاع معقدة وشائكة، كما أنّه قوي جسديًا وبدنيًا وذهنيًا، ويتعلم من أخطائه ويستطيع أن يحول رغبة غوارديولا المتوحشة في دوري الأبطال إلى واقع يسر الناظرين.

شارك: