أرقام ساخنة

2022-11-21 15:07
الإبهار كان العنوان الأبرز لحفل افتتاح مونديال قطر 2022 (Getty)
عبد الهادي الناجي

عبد الهادي الناجي

كاتب رأي
Source
+ الخط -

1 ■

يرتجف قلمي بين أناملي وكاد حبري اليوم يجف، وقاموس الكلمات قد ضاع، وترجمة اللغات فقدت، والتعبير خان؛ فكيف لي أن أعبر ورسم المشهد يتكلم وينطق ويصيب بالذهول، ويمتد ليشق كبد السماء؟

كيف لي أن أعبر عن فرح الأمة العربية والإسلامية، أطفالاً وشباباً ورجالاً ونساء، مزهوين بفوز قطر بافتتاحها الخرافي المبهر، ولا في الأحلام تعيش هذه المشاهد، كانت فرحة عربية بكل لغات العالم، نعم قطر هي من ظفرت بالكأس العالمية، ورفعت رأس العرب شامخاً، بقوتها الناعمة، وطاقة تحملها لمختلف الضربات النفاحة، التي تلقتها وما زالت تتلقاها من أعداء نجاح العرب، ومن المختصين في الإساءة للعرب والمسلمين، انمحت الصورة النمطية ضد العرب والمسلمين، وعلى بركة الله عهد جديد وقطيعة إبستيمولوجية مع رؤى الغرب للعرب.

2 ■
استفاق أعداء تنظيم قطر لكأس العالم على صفعة قوية ومدوية هزت العالم؛ بحفل افتتاح مبهر ليقفز على كل مراسيم افتتاح كأس العالم في نسخها السابقة، وتؤكد قطر للعالم وبأعلى صوتها أنا قطر العربية، أنا قطر المسلمة، أنا قطر هذه يدي ممدودة للتسامح والسلام والبناء الإنساني.  

درس بليغ وعميق، ورسالات لا تحتاج إلى تشفير، حفل الافتتاح رسالة للتقارب بين كل شعوب البشرية والتغلب على الاختلافات من خلال الإنسانية والاحترام والشمولية، فكرة القدم تسمح لنا بالتقارب كقبيلة واحدة كوكبها هو الخيمة التي نعيش فيها.  

الكتاب قرأناه من عنوانه فيمكن قياس نجاح البطولة بحفل افتتاحها من حيث التنظيم وإدارة الحشود وتقنيات النقل وتوفير سبل الراحة للمنتخبات والجماهير، وثقتنا كبيرة كانت منذ 12 سنة من الاستعداد ظهرت جلية للعيان في اليوم الأول.

مونديال قطر تاريخي، بكل معنى الكلمة، انتظره الجميع، عربي، شرق أوسطي، أوروبي، أفريقي، آسيوي، وأمريكي، قيل عنه الكثير، وسيقال عنه الكثير، بعد هذه القفزة القطرية النوعية. فالبعد الثقافي والحضاري، كان حاضراً بقوة، وهو العنوان الحقيقي لهذه البطولة العالمية، هذا البعد الذي جسدته هذه التظاهرة في أدق وأبسط التفاصيل التي لن تخطر على بال أحد.

ولكن ذلك لم يكن بالأمر الهين أو السهل أمام الحملة الشرسة والممنهجة التي قادها أعداء دولة قطر من أجل ثنيها على تطبيق رؤيتها المتميزة والمتفردة، لما تشكله هذه الرؤية من خطر على أصحاب المشاريع الثقافية المضادة، فعبر القوة الناعمة تكتسب الدولة قوة روحية ومعنوية تبدو جلية في تجسيد الأفكار والمبادئ والأخلاق وعبر دعم مجالات حقوق الإنسان، والبنية التحتية والثقافة والفن، الأمر الذي يفرض احترام الآخر.

إنها دعوة قطرية عربية مسلمة خالصة من خلال تنظيم  بطولة كأس العالم، وبصوت واحد جميعاً إلى الوحدة والاحترام، وهي قيم أساسية تروج لها كرة القدم، دعونا نحتفل سوياً بأن كرة القدم قادرة على إحداث تغيير إيجابي في العالم من خلال لغتها العالمية، ودعونا ننضم إلى الجهود حتى تكون الفرق الـ 32 المشاركة والمشجعون حول العالم مروجين للقيم العالمية مثل الوحدة والاحترام، لقد تركتم العالم يقف احتراماً وتقديراً لتقديم التحية إلى قطر، حتى الأعداء منهم .
 3 ■
اقتربت ساعة الصفر، وما عاد يفصلنا سوى 4 أيام عن مواجهة المنتخب المغربي لنظيره الكرواتي وصيف بطل نسخة روسيا، في مستهل مشواره في مونديال 2022 في الدوحة، اللحظة تقترب، والعيون ترتقب، والقلوب تخفق، ولا نقول ونحن شاهدنا ودية منتخب المغرب فائزاً على جورجيا 0-3، إن الأمور انتهت، وإن الطريق عبدت لاجتياز دور المجموعات؛ فاللقاءات الإعدادية ما هي إلا محطة للتجريب، والاختبار، فحتى الفوز على التشيلي والتعادل مع الباراغواي أعاد هيبة الأسود، وارتفع معها منسوب التفاؤل؛ لكن لا يعني (أننا قطعنا الوادي ونشفت أرجلنا).

إذا تحدثنا كرويًا وأبعدنا العاطفة جانبًا فإن أكثر المتشائمين، يأمل أن تنتهي مشاركة الأسود في هذا المونديال بـقطع أشواط مهمة فيه، بالرغم من وجود منتخبنا في مجموعة بها منتخبات قوية، بلجيكا وكرواتيا وكندا، بالرغم من رسائل إشادة فنييها وتقنييها ولاعبيها الكبار للعناصر المغربية، عبر تصريحات ملغومة، فهو كلام للاستهلاك، ولا يعدو كل هذا إلا حُقناً مسكنة ممزوجة بزرع بذور الغرور في عناصر الأسود، حتى يجعلونهم يركبون رؤوسهم.

لكن هذه الشحنات النفسية والحروب التكتيكية من الخصوم، مألوفة وعادية، ومثل هذه الخطط لن تنطلي على عناصر مجربة، تنطلق قبل ولوج البساط الأخضر، ولهم مختصون في هذه الحروب البسيكولوجية، دعونا من كل هذا، فالمنتخب المغربي ملزم بتدبير جيد لمباراتيه أمام كرواتيا وبلجيكا لضمان مقعد في الدور الثاني من كأس العالم قطر 2022، وحتى سقف مطالب الجمهور أكثر بكثير مما يتوقع؛ لثقتهم في العناصر المغربية المجربة المحترفة في أقوى الأندية العالمية، فهم يرغبون في الوصول إلى مراحل نهائية متقدمة، لا أن يكونوا رقمًا!

الواقع الكروي الذي يقول إنَّ أفضل عناصرنا التي يمكن أن تصنع شيئًا في المونديال، وتصنع الفارق تعيش في أفضل حالاتها؛ حكيم زياش، وبالرغم من مشاركاته القليلة مع تشيلسي، فقد سجل هدفاً خرافياً أمام جورجيا، على بعد 60 متر، وجعل الجميع يهتف باسمه كقائد جديد داخل المنتخب وبمعنويات مرتفعة، بعد تغييب دام لسنة ونصف من وحيد حاليلوزيتش، نفس الشيء مع نجم بايرن ميونيخ، نصير مزراوي، الذي أعاد شيئاً من الاطمئنان للدفاع المغربي.

إذا نجح المنتخب المغربي في تخطي مباراته الأولى أمام كرواتيا بأقل الأخطاء الممكنة فإن ذلك سيفتح له الأبواب من أجل التأهل للدور الثاني، و أتمنى أن يسير المنتخب المغربي في مونديال قطر بنفس الخطوات التي سار عليها في مونديال مكسيكو 86، بأن يتعادل أمام منتخب كرواتيا ويتعادل أيضاً أمام بلجيكا ويفوز على المنتخب الكندي في المباراة الأخيرة. وبالتالي يضمن صعوده إلى الدور الثاني وهو أفضل سيناريو يمكن تصوره.

4 ■
ورغم صعوبة المهمة يرشح الكثير من خبراء كرة القدم المغرب للتألق في مونديال قطر، وسيكون الحصان الأسود في المونديال؛ فالمنتخب المغربي يعد أفضل منتخب عربي يخوض مونديال قطر، لكون أسود الأطلس يملكون التجربة في مختلف البطولات الأوروبية الكبيرة، وبحكم وجود أغلبية لاعبيه بأوروبا والخليج العربي، يعطيه امتيازاً وشحنة قوية لتحقيق المبتغى.

ويدين المنتخب المغربي، الذي يشارك في كأس العالم للمرة السادسة في تاريخه، بارتفاع قيمته التسويقية لثلة من النجوم الذين ارتفع مؤشر أسهمهم في الكرة العالمية.

 فهوية الأسود في فترة الإعداد بدأت تظهر معالمها بعد التغلب على العقم الهجومي وهو شيء مطمئن، فالمنطق يقول إننا سنواجه منتخبات مدججة بنجوم عالميين يلعبون في أقوى وأشرس الأندية والدوريات العالمية، وكان من المفترض الاستعداد لها بمواجهة منتخبات تشبهها في المستوى والشراسة الهجومية، والعمل على ترميم خطوط الدفاع في منطقة المحور، والبحث أمامها عن الخروج بمستوى مشرف، وألا نكون صيدًا سهلًا ومحطة سريعة ومريحة للتزود بالنقاط والأهداف، وهذا ما هيأ له الركراكي، المدير الفني، العارف بِمَكامِن الخلل، ويحاول سد كل الثغرات ولا نملك إلى ذلك الحين سوى أن نلهج لأسودنا بالدعاء، وأن نسأل الله لهم التوفيق والسداد.
5 ■
 المفاجآت تحدث أحياناً، ولطالما حدثت في كرة القدم وفي كأس العالم تحديداً، وما الذي يمنع أن يسجل الأسود اسمهم في سجل مفاجآت كأس العالم؟! وفي كل الأحوال لن يكون مطلوبًا من أبنائنا سوى أن يستحضروا كل طاقتهم وروحهم وثقتهم بأنفسهم، وأن يقدموا كل ما يملكون من قدرة فنية ورغبة وقتالية لتشريف وطنهم، ولن يلومهم بعد ذلك عاقل سوي وعارف بأبجديات الكرة.

ربما تشهد قطر، التي كانت أرضها دائمًا وجه خير في تاريخ الكرة المغربية وإنجازات منتخباتها وأنديتها، حضورًا مغربياً يفاجئ الجميع، ويكون أصدقاء هازارد ورفاق مودريتش أول ضحايا هذا الحضور، كل ما عليكم يا نجوم الأخضر والأحمر أن تبذلوا كل قطرة عرق للتاريخ، ولشعب يتنفس كرة القدم.
 6 ■
المونديال يتحول من مجرد بطولة تنافسية، إلى حدث كوني تتنافس فيه الدول لنيل أحد الشرفين، الاستضافة أو الفوز، ميزانيات مليارية تُرصد، سواء للاستضافة أو تحقيق الانتصار، اللاعبون بكل ما لديهم من نجومية جماهيرية وعوائد مالية، يحرصون على المشاركة في كأس العالم، فلقب عالمي واحد، يغنيهم عن الكثير من الألقاب والبطولات المحلية،

فمثلاً، الأرجنتيني ميسي، والبرتغالي رونالدو، مستعدان للتضحية بكل ما لديهما من إنجازات وألقاب وكؤوس، فقط لرفع الكأس العالمية، فكل ما تحقق سابقاً من ألقاب قارية مع منتخبيهما، أو تتويجات مع برشلونة وريال مدريد، أو إنجازات شخصية، في كفة، وكأس العالم في كفة أخرى، هذا هو مفهوم كأس العالم، لكن هناك انتظارات من مونديال قطر 2022، لبروز نجومية عدد من اللاعبين الشباب... فهل بإمكانهم أن يجعلوننا ننسى في ميسي ورونالدو؟!
 7 ■
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ صدق الله العظيم 

شارك: