كرة الصالات العربية بحاجة إلى جرعات احترافية

2022-10-01 22:12
المنتخب المغربي لكرة الصالات تُوج بكأس القارات بعد فوزه على إيران (Getty)
عبد الهادي الناجي

عبد الهادي الناجي

كاتب رأي
Source
المصدر
winwin
+ الخط -

هل الصحوة التي عرفها الفوتسال (كرة الصالات) في الوطن العربي تحتم علينا وقفة حقيقية وقراءة متأنية لواقع حال اللعبة، أم نمر عليها مرور الكرام، ونركب رؤوسنا لنقول حققنا المبتغى؟ خاصة بعد فوز المنتخب المغربي بكأس القارات، وعلى خصم بحجم إيران التي تتبوأ مقعدا متقدما في التصنيف العالمي.

هل يُعد هذا الفوز بداية مرحلة قوية للفوتسال العربي، يمكننا معها القول إن اللعبة بخير ولا تعاني من أي أمراض! أم أن هذا الإنجاز  مجرد شجرة تخفي عنا غابة المشاكل التي نستظل بها كلما حقق منتخب عربي إنجازا غير مسبوق، ونظل نتغنى به.

هل تُعد أنصاف الحلول حلولاً؟ هل يُعد الترقيع حلاً؟ هل حقًا "الجود من الموجود"؟ وإذا كان هذا صحيحاً فهل هذا هو الموجود؟ هل يجب علينا أن نبدأ فحسب، أم يجب علينا أن نضع خططاً قبل البدء؟ حصان قبل العربة؟ أم عربة قبل الحصان؟ أتحدث عن الفوتسال ومستقبله، هذه الرياضة الواعدة في وطننا العربي، لكن للأسف في غياب قاعدة احترافية قوية شبيهة بالكرة الكلاسيكية، لا يمكن أن نحرك ساكنا، وسنظل في دوامة الهواية تائهين.

ولا أقصد من كلامي أن ألوم اتحادات اللعبة في وطننا العربي، فليس هناك عصا سحرية ستحول واقع كرة الصالات أو الفوتسال من الوضع الحالي "الهاوي" إلى وضع رائع إلا بوجود استراتيجية وسياسة واضحة، إضافة إلى الولوج إلى بوابة الاحتراف، ويكون أهم سماتها التكامل، وليست فعاليات مبعثرة هنا وهناك! ليس الأمر بأن نبدأ بأي شيء، بل يجب أن ننطلق بخطى قوية وثابتة وفقاً لمعايير واضحة وأدوات قياس ومؤشرات واقعية، فهي ليست مجرد أرقام ونتائج تحقق هنا وهناك.

هل نتركها رياضة لمتقاعدي كرة القدم الكلاسيكية للتسلية والترفيه؟

الملاحظة الأساسية والجوهرية، أن كرة الصالات وجب خروجها من قوقعة الهواية، وفتح بوابة الاحتراف لها، ففي سنوات الألفية الثانية وما قبلها كانت كرة الصالات رياضة يمارسها من تقاعدوا عن ممارسة كرة القدم الكلاسيكية داخل أنديتهم، وجعلوها محطة للترفيه والتسلية، والمحافظة على رشاقة أجسادهم ومرونتها، في حين أن بين "فوتسال" و"فوتبال" قصة زواج شرعي أبديّ أسفر وما يزال عن ميلاد مئات اللاعبين وعشرات النجوم في مختلف الملاعب العالمية.

وأصبح تحول الممارسين من القاعة إلى احتراف الكرة في الهواء الطلق ظاهرة وطنية ودولية، تستدعي الوقوف عند حيثياتها وأسبابها ونتائجها، والدوافع التي تجعل بعض اللاعبين يخترقون قيود السقف ليحققوا أحلامهم كأساطير ومشاهير.

الملاحظة الأساسية أنه منذ بداية عهد كرة القدم التقليدية بدأت كرة القدم الخماسية، والتي ظهرت أكثر للوجود بعد مونديال أوروغواي سنة 1930، حيث أسس الأرجنتيني خوان كارلوس غرافيي لعبة رسمية منافسة لكرة القدم المعروفة باسم "فوتسال".

وانتشرت اللعبة بشكل رهيب في أمريكا اللاتينية؛ حيث أصبحت كل الشوارع ملاعبا صغيرة تضم فريقين من 5 لاعبين، واستفادت من التوسع العمراني وضيق المساحات وغياب الملاعب المعشوشبة الكبيرة، لتأخذ مكانتها بوصفها رياضة شعبية سهلة الممارسة في ظروف بسيطة جدا.

وزود الشارع الكرة الخماسية بالحليب الكافي لتكبر وتنمو، فصار من النادر عبور الحدائق والمساحات الصغيرة دون مشاهدة مباريات كرة القدم المصغرة، حيث تفرغ الطبقة الشعبية موهبتها في ظل قلة الأندية، ومحدودية المقاعد في الكرة الكلاسيكية، إضافة إلى الزبونية والمحسوبية لمن أراد ولوج عالم الكرة (خاصة الأطفال مجنوني المستديرة).

بقيت الكرة الخماسية في ثوب الهواية والممارسة العشوائية بالشوارع والطرق والمدارس، وصار عدد الممارسين لها أكثر بأضعاف من عدد أصحاب الرخص في الملاعب الكبرى، وتدريجيا ومع هيكلة الأجهزة المنظمة والمستقلة عن الفيفا بدأ تشييد القاعات وتقنينها ووضع خارطة الطريق لتطورها.

وهكذا أمسى اللاعبون والأندية يلعبون في قاعات مغطاة ويتنافسون في بطولات قارية وعالمية، وتشكلت مجموعة من المنتخبات في أمريكا الجنوبية وأوروبا، حيث بدأ الاعتماد على مدارس تكوين خاصة وأكاديميات للناشئين، الشيء الذي فطن له الاتحاد الدولي لكرة القدم واستشعر خطورته، فقرر دمج "فوتسال" ووضعه كلعبة تحت إشرافه عام 1989، رغم المقاومة الشديدة للهيئة المنظمة والمستقلة له، ليشرع في عملية التقنين والتطوير وإنشاء بطولات عالمية رسمية، مع تخطيط استراتيجيات أكاديمية تُخرج المولود الجديد من عتمة العشوائية والهواية إلى مدرسة منتجة.

وبعد دخول الفيفا على الخط وتوليه زمام التسيير والتدبير، قرر جعْل "فوتسال" لعبة تكميلية وتكاملية مع كرة القدم، فمنع منعا كليا على الأطفال داخل الأندية والمنتخبات الذين لا يتجاوز سنهم 15 أن يلعبوا ضمن فريق يضم 11 لاعبا في ملعب كبير، وأراد أن تكون الكرة الخماسية مدرسة ابتدائية منتجة، وتأهيلية للمراحل التالية في تكوين اللاعب المحترف في الملاعب الطبيعية.

صناعة اللاعبين داخل الفوتسال

لقد تحول الفوتسال إلى صناعة قوية، وتُعد البرازيل والأرجنتين بأمريكا الجنوبية، والبرتغال وإسبانيا في أوروبا، من أهم المدارس الكروية العالمية التي تعتمد على "فوتسال" في صناعة نجوم كرة القدم؛ إذ يستحيل أن يرى أحدهم النور مع الكبار في الملاعب المعشوشبة دون أن يمر إجباريا من القاعات التي يصقل فيها موهبته إلى غاية سن 15.

وأشارت التحقيقات والأبحاث إلى أن كل الأساطير والمشاهير الذين توافدوا تباعا إلى الساحة منذ أواسط التسعينيات من القرن الماضي وحتى اليوم، تلقوا تكوينهم داخل القاعة ولم يلعبوا قط مباريات بـ22 لاعبا في فئتي الصغار والناشئين، الشيء الذي مكنهم من إتقان اللعب في المساحات الضيقة والتحكم السهل والسريع بالكرة وإجادة المراوغات بسلاسة، لتكون مهمتهم في الملاعب الكبرى أسهل بكثير من بقية اللاعبين الذين لم يمروا من مدرسة "فوتسال".

المغرب يساير الإيقاع متأخرا

يسلك المغرب منذ سنوات قليلة المناهج التي يسير عليها البرازيليون والإسبان وغيرهم، لكن بصورة مغايرة، بحيث يتحول اللاعب من القاعة إلى الملعب الكبير متأخرا، أي بعد بلوغه فئة الشباب أو الكبار مع الفريق الخماسي، والذي يكون دائما في إطار جمعيات مستقلة بعيدة عن الأندية الممارسة للكرة التقليدية.

فعكس ما هو معمول به في الدول الرائدة والأكاديميات الكروية الشهيرة، فالظاهرة في المغرب منحصرة على انتقالات فردية عن طريق الوساطة والانتقاء والاختبارات؛ إذ تُسارع الفرق المحترفة إلى استقدام أجود اللاعبين الهواة أو شبه المحترفين ممن تميزوا في بطولات القاعات، وتدمجهم بعد الإغراء المالي، بسهولة في أجواء المنافسة في الملاعب الكبرى، وفي مراكز وسط الميدان والهجوم، مستفيدة من طابع التكوين المتكامل والمزدوج لديهم.

جاءت ملاعب القرب لتعزز "فوتسال"، وتنشر كرة القدم المصغرة في جميع أحياء المغرب، وترفع من عدد الممارسين والهواة، وتزيد من حظوظهم للالتحاق بالأندية ودخول عالم الاحتراف، في ظل وجود الكشافة والمنقبين عن المواهب بهذه الملاعب الصغيرة والقاعات.

بداية النجومية في المغرب وشق المشوار الاحترافي أضحت خيوطه اليوم تُنسج في ميدان 5 ضد 5، وطرق أبواب المستوى العالي باتت زاد الكرة الخماسية واكتساب مهاراتها ومميزاتها التقنية والبدنية النموذجية.

ويبقى "فوتسال" نقطة الانطلاقة كما النهاية لكل لاعب محترف ونجم بعد اعتزال الميادين، بحرصه الدائم على الممارسة والاحتكاك والحفاظ على اللياقة في المباريات المصغرة رغم التقدم في السن، في وقت يلجأ فيه مئات الملايين من الأشخاص العاديين عبر العالم للقاعات والكرة الخماسية للترفيه والتسلية، كرياضة استثنائية ولعبة غير طبيعية لمن يحلم بالاحتراف ولمن لا هدف له؛ لأنها بوابة لولوج العالمية.

إذن نخلص أن اتحادات الكرة في وطننا العربي مدعوة لإيقاف مسلسل إهدار الوقت في أمور تافهة؛ لأن الخروج من عنق الزجاجة يمر من بوابة الاحتراف وبه وجب الإعلام.

شارك: