منذ أن دخل صندوق الاستثمارات العامة إلى ملكية الهلال والنصر والاتحاد والأهلي في صيف 2023، تغير وجه كرة القدم السعودية بصورة غير مسبوقة، ووصل في أشهر قليلة كريم بنزيما ونيمار ورياض محرز وساديو ماني ونغولو كانتي وروبرتو فيرمينو وسيرجي ميلينكوفيتش سافيتش، وروبن نيفيز وألكسندر ميتروفيتش وإيمريك لابورت وغيرهم، لتتحول الأندية الأربعة إلى الواجهة الأساسية للمشروع الجديد.
لكن بعد أكثر من 3 أعوام، تبدو الصورة في صيف 2026 مختلفة تمامًا؛ الاتحاد فقد بنزيما وكانتي وفابينيو وموسى ديابي خلال فترة زمنية قصيرة، والأهلي ودع محرز وفرانك كيسييه بعدما سبقهما فيرمينو، والنصر شهد رحيل مارسيلو بروزوفيتش وعدد من نجوم المرحلة الأولى، بينما تحرك الهلال في المقابل للتعاقد مع كريسينسيو سامرفيل وأولي واتكينز، ووصل إلى المراحل الأخيرة من صفقة غابرييل مارتينيلي.
ومن هنا ظهر السؤال الذي يتردد بقوة بين الجماهير: هل تم بالفعل تفريغ المنافسين الثلاثة من نجومهم؟ بينما أصبح الهلال وحده قادرًا على جلب أسماء من الصف الأول الأوروبي.
الإجابة تحتاج إلى العودة إلى البداية، لأن المقارنة بين صيف 2023 وصيف 2026 تكشف أن المشهد أكثر تعقيدًا من مجرد قائمة أسماء خرجت من هنا ووصلت إلى هناك.
2023.. نقطة البداية كانت متقاربة
في 2023 استحوذ صندوق الاستثمارات العامة على 75% من شركات أندية الهلال والنصر والاتحاد والأهلي، فيما احتفظت المؤسسات غير الربحية بـ25%، ضمن مشروع الاستثمار والتخصيص الرياضي. ويؤكد التقرير السنوي للصندوق أنه امتلك 75% من الأندية الأربعة خلال ذلك العام.
وجاءت بعدها واحدة من أضخم موجات الانتقالات في تاريخ كرة القدم. الاتحاد تحصل على بنزيما وكانتي وفابينيو، بينما بدأ النصر المرحلة أصلًا بوجود كريستيانو رونالدو، الذي سبق الاستحواذ بوصوله في نهاية 2022، ثم أضاف ساديو ماني وبروزوفيتش ولابورت وأليكس تيليس وغيرهم.
وفي جدة، أعاد الأهلي بناء فريقه بعد العودة إلى دوري المحترفين، من خلال محرز وفيرمينو وكيسييه وإدوارد ميندي وألان سان ماكسيمان، بينما كانت قائمة الهلال ربما الأكثر عمقًا من حيث العدد، مع نيمار وروبن نيفيز وسافيتش وكوليبالي وميتروفيتش ومالكوم وياسين بونو.
رابطة دوري المحترفين نفسها وصفت موسم 2023-2024 بأنه الموسم الذي شهد تدفقًا ضخمًا للنجوم العالميين، وذكرت أسماء بنزيما ونيمار ومحرز وماني وكانتي وميتروفيتش ونيفيز ضمن أبرز الوافدين.
وبالتالي، فإن نقطة الانطلاق لم تكن قائمة على تعزيز الهلال وحده، بل على توزيع أسماء عالمية كبيرة بين الأندية الأربعة.
اقرأ أيضًا
الاتحاد.. من بنزيما وكانتي وفابينيو وديابي إلى مرحلة مختلفة
إذا كان هناك نادٍ يمكن أن يشعر جمهوره بأن الفريق فقد جزءًا كبيرًا من بريقه العالمي خلال فترة قصيرة، فهو الاتحاد.
بنزيما وصل في 2023 ثم أصبح قائد مشروع الفريق، وقاد النادي إلى ثنائية الدوري وكأس الملك، لكنه انتقل في فبراير/ شباط 2026 إلى الهلال في صفقة انتقال حر، بعدما كان أفضل لاعب في دوري روشن بالموسم السابق، قبل أن يرحل عن الزعيم قبل أيام.
وفي النافذة الشتوية نفسها، غادر كانتي إلى فنربخشة، قبل أن ينتهي عقد فابينيو في صيف 2026، ثم أكمل ديابي سلسلة المغادرين عندما عاد إلى باير ليفركوزن في الأول من سبتمبر/ أيلول الجاري.
وهنا يصبح الانطباع الجماهيري مفهومًا؛ الاتحاد فقد خلال أشهر بنزيما وكانتي وفابينيو وديابي، وهم 4 أسماء كانت تمثل جزءًا كبيرًا من الهوية العالمية للفريق.
لكن القول إن الاتحاد أصبح بلا نجوم سيكون مبالغة أيضًا، لأن الفريق لا يزال يملك ستيفن بيرغواين وحسام عوار ويوسف النصيري، والأخير وصل في شتاء 2026 لتعويض جانب من الفراغ الهجومي، بينما سجل بيرغواين ثلاثية بالفعل في بداية الموسم الحالي.
كما تعاقد الاتحاد هذا الصيف مع ديون لوبي من ألميريا، وتحرك في الأيام الأخيرة نحو ريتسو دوان، لكن الفارق هنا أن الأسماء الجديدة لا تملك الثقل التجاري والعالمي نفسه، الذي كان لبنزيما وكانتي عند وصولهما.
هذه ربما هي نقطة المشكلة الحقيقية في الاتحاد: الفريق لم يتوقف عن التعاقد، لكنه لم يعوض أسماء المرحلة الأولى بأسماء تملك البريق نفسه.
الأهلي.. وداع محرز وكيسييه لكن الفريق لم يُفرغ
الصورة في الأهلي مختلفة قليلًا، الفريق ودع رياض محرز وفرانك كيسييه في صيف 2026، بعدما سبق ذلك رحيل روبرتو فيرمينو، وهي أسماء كانت من أعمدة موجة 2023.
لكن من الصعب وصف الأهلي بأنه تعرض للتفريغ؛ إيفان توني ما زال المهاجم الأول للفريق، وإدوارد ميندي في حراسة المرمى، وروجير إيبانيز وميريح ديميرال في الدفاع، وغالينو في الهجوم، كما تعاقد النادي مع فرانشيسكو ترينكاو قادمًا من سبورتينغ لشبونة وإدوارد سبيرتسيان من كراسنودار. وتظهر تشكيلة الأهلي الحالية هذه المجموعة بوضوح.
بل إن رابطة الدوري نفسها قدمت ترينكاو باعتباره الصفقة الرئيسية للأهلي هذا الصيف وخليفة محتملًا لمحرز، مشيرة إلى أنه كان محل اهتمام من أندية أوروبية كبيرة.
وبالتالي الأهلي جدد قائمته أكثر مما فرغها، لكنه انتقل من سياسة "الاسم العالمي المعروف لدى الجمهور العريض" مثل محرز وفيرمينو، إلى لاعبين أصغر سنًا مثل ترينكاو وسبيرتسيان.
وهنا مرة أخرى يظهر الفارق مع الهلال؛ ليس في عدم وجود صفقات للأهلي، وإنما في مستوى الشهرة العالمية للصفقات الجديدة.
النصر.. الحالة التي تضعف فرضية "التفريغ"
النصر ربما يكون أقوى حجة ضد فكرة أن الأندية الأخرى تُفرغ من النجوم لصالح الهلال.
صحيح أن الفريق فقد بروزوفيتش هذا الصيف، وغادر لابورت في مرحلة سابقة، كما خرج أوتافيو، وأُعير جون دوران، لكن النصر نفسه كان قد قام قبل موسم واحد فقط بسوق انتقالات ضخمة جدًا.
في صيف 2025 تعاقد النصر مع جواو فيليكس من تشيلسي، وكينغسلي كومان من بايرن ميونخ، وإينيغو مارتينيز من برشلونة، وهي صفقات موثقة في سجل انتقالات رابطة الدوري.
والأهم أن جواو فيليكس لم يكن مجرد اسم تجاري؛ فقد اختير أفضل لاعب في دوري روشن لموسم 2025-2026، بعدما سجل 20 هدفًا وصنع 13 في 33 مباراة، وقاد النصر إلى لقب الدوري إلى جانب رونالدو وماني وكومان.
وحتى اليوم، لا يزال رونالدو وماني وكومان وفيليكس موجودين في قائمة النصر، وسجل ماني ثنائية قبل أيام في العودة المثيرة أمام الاتفاق. لذلك لا يمكن القول بدقة إن النصر "فُرغ من النجوم".
الأدق أن نقول إن النصر كان أكثر هدوءًا في صيف 2026 بعد سوق ضخم جدًا في 2025، واكتفى حتى الآن بالتعاقد البارز مع سامو كوستا من مايوركا، بينما احتفظ بالكتلة الأساسية التي قادته إلى بطولة الدوري.
الهلال أيضًا فقد عددًا هائلًا من الأسماء
هناك جانب آخر غالبًا ما يضيع وسط النقاش: الهلال نفسه فقد عددًا كبيرًا جدًا من النجوم خلال السنوات الثلاث.
نيمار غادر، وميتروفيتش انتقل إلى الريان، ثم خرج كانسيلو إلى برشلونة، ومالكوم إلى الجزيرة، وأُعير داروين نونيز إلى الدرعية، وغادر ماركوس ليوناردو إلى أياكس، وانتهت تجربة بنزيما بعد 6 أشهر فقط. وتوثق قائمة رابطة الدوري مجموعة كبيرة من هذه المغادرات في صيف 2026 وحده.
أي أن الهلال لم يحتفظ بكل نجوم المرحلة الأولى بينما خسر المنافسون لاعبيهم؛ هو أيضًا أعاد تشكيل قائمته بصورة جذرية.
الهلال لم يكتفِ بإخراج الأسماء الكبيرة، بل استخدم المساحات المتاحة لاستقدام لاعبين آخرين ذوي قيمة مرتفعة جدًا في السوق الأوروبية.
سامرفيل ثم واتكينز.. والهلال يرفع السقف مجددًا
في يوليو تعاقد الهلال مع كريسينسيو سامرفيل من وست هام بعقد لأربعة أعوام، وأعلن النادي رسميًا أن الأمير الوليد بن طلال تكفل بكامل قيمة الصفقة.
ثم جاء أولي واتكينز من أستون فيلا في صفقة تجاوزت 50 مليون جنيه إسترليني بحسب التقارير البريطانية، ووقع عقدًا لثلاث سنوات، وأعلن الهلال مرة أخرى تكفل الأمير الوليد بن طلال بالصفقة.
واتكينز تحديدًا يمثل نوعية مختلفة من الصفقات، لأنه غادر الدوري الإنجليزي وهو في الثلاثين، بعدما سجل 108 أهداف لأستون فيلا، وأصبح هدافه التاريخي في حقبة البريميرليغ، ولم يكن لاعبًا خارج الحسابات أو في نهاية مسيرته.
ثم تحرك الهلال نحو غابرييل مارتينيلي من أرسنال، ووصل اللاعب بالفعل إلى الرياض، بينما أكد فابريتسيو رومانو التوصل إلى اتفاق يتجاوز 65 مليون يورو شامل الإضافات. وحتى 2 سبتمبر، لم يكن الهلال قد أعلن الصفقة رسميًا على موقعه، ولذلك يجب التعامل معها صحفيًا باعتبارها صفقة في طريقها إلى الإعلان وليست صفقة معلنة حتى الآن.
وهنا يبدأ الشعور الحقيقي بعدم التوازن؛ خلال فترة واحدة يتجه الهلال لجمع سامرفيل وواتكينز ومارتينيلي، وجميعهم قادمون مباشرة من الدوري الإنجليزي وفي أعمار تسمح لهم بالعطاء لسنوات، في وقت يغادر فيه محرز وكيسييه الأهلي، وبنزيما وكانتي وفابينيو وديابي الاتحاد، ويكتفي النصر بسوق أكثر هدوءًا.
لكن هناك تغييرا ضخما حدث خارج الملعب
لا يمكن تحليل هذا الصيف من دون ذكر أهم تحول في ملكية الأندية الأربعة، في 2023 كان صندوق الاستثمارات العامة يمتلك 75% من الهلال والنصر والاتحاد والأهلي.
لكن هذا النموذج تغير بالنسبة للهلال في 2026، في 16 أبريل وقع الصندوق اتفاقًا ملزمًا لبيع 70% من شركة نادي الهلال إلى شركة المملكة القابضة، على أساس تقييم للمنشأة بالكامل بلغ 1.4 مليار ريال، ثم اكتملت إجراءات الاستحواذ في نهاية أغسطس، لتصبح المملكة القابضة مالكة لـ70% من الهلال، بينما يحتفظ صندوق الاستثمارات العامة بـ30%.
وهذه نقطة محورية في أي مقارنة، الهلال اليوم لم يعد يعمل بالنموذج نفسه الذي انطلقت به الأندية الأربعة عام 2023؛ هناك مالك خاص مسيطر يمتلك 70% من الشركة، وهو شركة المملكة القابضة التي يرأسها الأمير الوليد بن طلال، وفي الوقت نفسه أعلن الهلال بصورة واضحة تكفل الأمير الوليد بعدد من صفقات الفريق ومخالصاته.
لذلك، فإن زيادة قدرة الهلال على الإنفاق خلال صيف 2026 يجب أن تُقرأ أيضًا في سياق تغير هيكل ملكيته ومصادر تمويله، وليس فقط باعتبارها مقارنة مباشرة بين أربعة أندية يملكها المالك نفسه بالطريقة ذاتها.
هل أصبح الهلال وحده يجلب لاعبين من العيار الثقيل؟
إذا كان المقصود صيف 2026 وحده، فإن الإجابة تميل إلى نعم من حيث الأسماء الأعلى شهرة وقيمة في السوق الأوروبية.
سامرفيل ثم واتكينز، ومعهما مارتينيلي إذا اكتملت الصفقة، يمثلون حزمة أقوى تجاريًا وفنيًا من الصفقات التي أبرمها الثلاثي المنافس هذا الصيف.
الأهلي جلب ترينكاو وسبيرتسيان، وهما لاعبان مهمان وفي سنوات الذروة، لكنهما لا يحملان الشعبية العالمية نفسها التي يحملها واتكينز أو مارتينيلي.
الاتحاد ضم ديون لوبي وتحرك نحو دوان، لكنه في الوقت نفسه خسر أسماء أثقل مثل ديابي وفابينيو، بعد أن فقد بنزيما وكانتي قبل أشهر.
أما النصر، فلم يدخل أصلًا سوق 2026 بالحجم نفسه، لكنه يحتفظ برونالدو وماني وفيليكس وكومان، أي إن الحديث عن تفريغه لا يصمد أمام شكل قائمته الحالية.
المفارقة: الاتحاد والأهلي حققا بطولات قبل رحيل النجوم
وهناك نقطة مهمة أخرى تمنع اختزال القصة في "نجوم خرجوا وفقط".
بنزيما قاد الاتحاد إلى ثنائية الدوري وكأس الملك قبل رحيله، أما محرز وكيسييه ساعدا الأهلي في التتويج بدوري أبطال آسيا للنخبة مرتين متتاليتين، وهو إنجاز تاريخي للنادي.
والنصر احتفظ بأبرز نجومه وفاز بدوري 2025-2026 بقيادة رونالدو وماني وفيليكس وكومان؛ أي إن دورة بعض النجوم انتهت بعد أن حققت بالفعل نتائج رياضية، وليست بالضرورة قصة إضعاف مباشر بلا مقابل.

