كان من شبه الحتمي أن تتزامن نهاية المسيرتين الدوليتين لأسطورتين بحجم ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو بعد جيل كامل ارتبط خلاله اسماهما في أذهان الجماهير، بصورة تكاد تكون لا تنفصل. لكن رغم تشابه التوقيت، فإن الطريقة التي يصل بها كل لاعب إلى النهاية تبدو مختلفة تمامًا.
ففي الوقت الذي يستعد فيه ميسي لخوض مباراته الأخيرة مع منتخب الأرجنتين، في أجواء أقرب إلى الاحتفال وتكريم أسطورة قادت بلاده إلى أكبر إنجاز ممكن، يجد رونالدو نفسه وسط حالة من الجدل، بعد مغادرته معسكر البرتغال، اعتراضًا على جلوسه على مقاعد البدلاء أمام النرويج.
رونالدو لم يعلن اعتزاله اللعب الدولي، لكن كل المؤشرات توحي بأن النهاية باتت قريبة، وكتب عبر حسابه على "إنستغرام": "بعد المؤتمر الصحفي للمنتخب، وبعد محادثة مع رئيس الاتحاد البرتغالي لكرة القدم، قررت مغادرة معسكر المنتخب".
وعندما تولى جيسوس المسؤولية، كانت هناك ردود فعل متباينة بشأن طريقة تعامله مع رونالدو، البالغ من العمر 41 عامًا. فمن ناحية، كان جيسوس مدربه في النصر السعودي، وبالتالي ربما كان من المتوقع أن يمنحه معاملة خاصة. لكن من ناحية أخرى، فإن جيسوس مدرب صارم، ويبدو أقل اهتمامًا بكسب رضا النجوم وأقل تأثرًا بمكانتهم من مارتينيز، ولذلك ربما كان هو المدرب القادر على إبلاغ رونالدو بأن دوره لم يعد كما كان.
واتضح أن الاحتمال الثاني هو الأقرب إلى الواقع.
وقال جيسوس لوسائل الإعلام بعد مباراة النرويج: "عندما عقدنا المؤتمر الصحفي الأول في البرتغال، قال رونالدو: إذا بدأت أساسيًا أو جلست على مقاعد البدلاء، فهذا قرار المدرب".
وأضاف: "المباراة هي التي تخبرني بما يجب أن أفعله. كنا قد اتفقنا على أنني قد أحتاج إليه في نهاية المباراة، لكن مجريات اللقاء أخبرتني بشيء مختلف، وفي النهاية لم أشركه".
اقرأ أيضًا:
ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو.. مساران متشابهان ونهايتان مختلفتان
ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو وصلا إلى السنوات الأخيرة من مسيرتيهما، وكلاهما لا يزال قادرًا على التسجيل وتحقيق الألقاب على مستوى الأندية، رغم ابتعادهما عن الدوريات الأوروبية الكبرى.
لكن عندما يتعلق الأمر بالمنتخب، فإن المسارين كانا مختلفين بصورة واضحة، خاصة في السنوات الأخيرة.
في آخر نسختين من كأس العالم، وصل ميسي إلى النهائي مرتين، وتوج باللقب في قطر 2022، أما رونالدو، فخرج من الأدوار الإقصائية مبكرًا، وبدأت الأسئلة تُطرح حول ما إذا كان لا يزال يستحق مكانًا أساسيًا في المنتخب البرتغالي.
وهنا تظهر واحدة من أهم نقاط الاختلاف بين الاثنين؛ فكلاهما تحصل على مساحة كبيرة من الحرية داخل منتخبه، لكن تجربة ميسي أثبتت نجاحها.
ليونيل سكالوني لم يحاول إجبار ميسي على أداء أدوار لم يعد قادرًا عليها، بل بنى المنتخب حول الأشياء التي لا يزال ميسي قادرًا على تقديمها، ووجد الطريقة التي تجعله مؤثرًا من دون أن يصبح وجوده عبئًا على الفريق. والنتيجة كانت استثنائية: لقبان في كوبا أمريكا وكأس العالم.
في المقابل، لم يتمكن روبرتو مارتينيز، وقبله فرناندو سانتوس، من إيجاد الصيغة نفسها مع رونالدو. أما جورجي جيسوس، فيبدو أنه اتخذ قرارًا مختلفًا: التعامل مع رونالدو باعتباره لاعبًا ضمن المجموعة، وليس استثناءً لها.
رونالدو.. عندما يصبح الاسم أكبر من الدور
ربما كان استمرار رونالدو مع المنتخب منطقيًا، طالما أنه لا يزال قادرًا على تسجيل الأهداف، وطالما أن المدربين كانوا يرغبون في وجوده، لكن المشكلة ظهرت عندما لم يعد قادرًا على تقديم المستوى نفسه الذي اعتادت الجماهير رؤيته منه.
في السنوات الأخيرة، أصبح وجوده أحيانًا يؤثر في توازن المنتخب، ومع ذلك ظل يتحصل على مكان أساسي تقريبًا كلما كان متاحًا، وهذا ما يجعل قرار جيسوس مختلفًا.
المدرب البرتغالي قال بوضوح إن المشاركة من عدمها قرار فني، وإنه كان يخطط ربما للاستعانة برونالدو في نهاية مباراة النرويج، قبل أن تفرض أحداث اللقاء قرارًا آخر.
بمعنى آخر، لم يعد اسم رونالدو وحده كافيًا لضمان مكانه داخل الملعب، وهنا تحديدًا تبدو اللحظة الحالية مهمة في مسيرته الدولية.
فربما يعود رونالدو إلى المنتخب، وربما يتحصل على مباراة وداع تليق بما قدمه للبرتغال، لكن الطريقة التي انتهت بها الأيام الأخيرة تركت علامات استفهام لم تكن موجودة في حالة ميسي.
وربما لو وجد رونالدو مدربًا قادرًا على بناء منتخب البرتغال حول نقاط القوة التي بقيت لديه، بدلًا من الاعتماد عليه بالطريقة نفسها التي كان يعتمد بها عليه قبل سنوات، لكانت نهايته الدولية ستبدو أكثر هدوءًا.
لكن ما حدث أمام النرويج جعل الصورة مختلفة. رونالدو غادر معسكر المنتخب غاضبًا بعد مباراة واحدة جلس خلالها على مقاعد البدلاء، وهو ما جعل الحديث عن نهاية مسيرته يتحول من احتفالية منتظرة إلى أزمة مفتوحة.
وبعد نحو عقدين من المقارنة المستمرة بينهما، ربما تكون المفارقة الأخيرة أن كلاهما يصل إلى خط النهاية في التوقيت نفسه، لكن كل واحد منهما يسلك طريقًا مختلفًا تمامًا للوصول إليه.

