يدخل المنتخب السعودي كأس العالم 2026 وهو لا يحمل تاريخًا عابرًا في البطولة، بل ذاكرة كاملة من اللحظات المتناقضة؛ فرحة لا تُنسى في 1994، سقوط قاسٍ في 2002، عودة معنوية في 2018، وانتصار عالمي مدوٍ أمام الأرجنتين في 2022.
وبين هذه المحطات، لا تبدو المشاركة الجديدة مجرد ظهور سابع في المونديال، بل فرصة لاختبار ما إذا كان "الأخضر" قد تعلم فعلًا من دروسه القديمة، خاصة أن نسخة 2026 ستضعه في مجموعة قوية تضم إسبانيا وأوروغواي والرأس الأخضر.
المنتخب السعودي بين نشوة البداية وصعوبة الاستمرار
أول درس يجب أن يبقى حاضرًا هو أن ضربة البداية لا تصنع البطولة كاملة. في 2022، حقق المنتخب السعودي واحدة من أكبر مفاجآت تاريخ كأس العالم عندما فاز على الأرجنتين 2-1، لكن الخسارة أمام بولندا والمكسيك أوقفت الحلم مبكرًا.
هذا الدرس تحديدًا مهم قبل مونديال 2026؛ لأن مواجهة أوروغواي الافتتاحية في ميامي قد تمنح "الأخضر" دفعة ضخمة، لكنها لن تكون كافية دون إدارة ذكية لمباراتي إسبانيا والرأس الأخضر.
الواقعية لا تعني الخوف
في 1994، لم يكن المنتخب السعودي مرشحًا لعبور الدور الأول، لكنه تعامل مع البطولة بشجاعة وانضباط، فخسر بصعوبة أمام هولندا، ثم فاز على المغرب وبلجيكا، وبلغ دور الـ16 في أفضل إنجاز سعودي مونديالي.
الدرس هنا أن احترام المنافس لا يعني التراجع الكامل، فالمنتخب السعودي يحتاج إلى واقعية تكتيكية أمام إسبانيا وأوروغواي، لكن من دون أن يفقد شخصيته أو يتحول إلى فريق ينتظر فقط أخطاء الآخرين.
تجنب الانهيار بعد استقبال الهدف الأول
مشاركة 2002 تبقى أكثر نسخة قسوة في ذاكرة "الأخضر"، بعدما أنهى البطولة دون تسجيل أي هدف، واستقبل 12 هدفًا في 3 مباريات، بينها الخسارة الثقيلة أمام ألمانيا 8-0.
هذا لا يجب أن يُستعاد كذكرى مؤلمة فقط، بل كدرس نفسي وفني: في كأس العالم، استقبال هدف مبكر لا يعني نهاية المباراة، والفريق الذي يريد المنافسة يحتاج إلى هدوء، تنظيم، وقدرة على امتصاص الصدمة.
المنتخب السعودي.. الفريق أهم من البطل الفردي
صنع سعيد العويران لقطة خالدة في 1994، وترك سامي الجابر بصمته عبر أكثر من نسخة، ومنح سالم الدوسري السعودية هدفًا تاريخيًا أمام الأرجنتين، لكن كل هذه اللحظات لم تكن لتكتمل دون منظومة جماعية تحميها.
في 2026، سيحتاج المنتخب السعودي إلى سالم الدوسري وسعود عبد الحميد وبقية عناصر الخبرة، لكنه سيحتاج أكثر إلى فريق متوازن لا ينتظر الحل الفردي فقط.
تحضير مختلف لكل منافس
تفرض مجموعة 2026 على "الأخضر" درسًا واضحًا، يتمثل في أن التحضير يجب أن يكون خاصًا بكل منافس. أوروغواي فريق قوي بدنيًا وسريع في التحولات، إسبانيا تملك استحواذًا وضغطًا عاليًا، والرأس الأخضر يدخل البطولة بطموح تاريخي في ظهوره الأول.
ولهذا، لن يكفي إعداد عام أو خطاب حماسي. المطلوب خطط مختلفة، ومرونة في الرسم التكتيكي، وقدرة على تغيير طريقة اللعب بين مباراة وأخرى.
في النهاية، لا يدخل المنتخب السعودي كأس العالم 2026 بصفته منتخبًا يبحث عن المشاركة فقط، بل وهو يحمل إرثًا من التجارب والدروس التي تراكمت عبر 6 نسخ مونديالية سابقة، فمن إنجاز 1994 التاريخي، إلى خيبات الإخفاق، وصولًا إلى الانتصار الاستثنائي على الأرجنتين في 2022، اكتسب "الأخضر" خبرات عديدة.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام المنتخب السعودي في النسخة المقبلة هو ترجمة تلك الخبرات إلى نتائج داخل الملعب، فالموهبة موجودة، والخبرة حاضرة، والجيل الحالي يضم أسماء تملك تجربة اللعب في أكبر المحافل.
وإذا نجح "الصقور الخضر" في الاستفادة من دروس الماضي وتجنب الأخطاء التي كلفته كثيرًا في نسخ سابقة، فقد يتحول مونديال 2026 من مجرد مشاركة جديدة إلى محطة استثنائية في تاريخ الكرة السعودية.

