غادر منتخب مصر كأس العالم 2026 مرفوع الرأس أمام "حامل اللقب" الأرجنتين، وقدم أفضل مشاركة مونديالية في تاريخه، وأنهى عقدة الانتصارات في هذه البطولة، وسجل في كافة مبارياته، وكاد يكون صاحب أكبر مفاجأة في البطولة، لولا انهياره في الدقائق الأخيرة.
أعرف أن الناس ستكون مشغولة هذه الأيام بالتحكيم وتصريحات حسام حسن وزيكو، ويرصدون آراء الحكام، لينشروا ما يدعموا وجهات نظرهم، لكنني أعرف أيضاً أن لا شيء سوف يتغير من كل هذا الجدل، المباراة انتهت، والأرجنتين تأهلت، والمهم محاولة الاستفادة من هذه التجربة.
هل تستثمر مصر فرصتها التاريخية بعد الملحمة المونديالية؟
منتخب مصر يملك حالياً فرصة تاريخية، تتجلى أولاً برفع مستوى الطموح، فالمنتخب الذي شارك في مونديال 2018 يبحث عن تسجيل هدف للتخلص من تصريحات مجدي عبد الغني، وشارك في المونديال الحالي باحثاً عن فوزه الأول، سوف يشارك في مونديال 2030 ولديه طموح أعلى بكثير، يتمثل بدق أبواب دور الثمانية.
كنت أريد مصر أن تكسب هذا اللقاء، ليس لأنها منتخب عربي فقط، بل لأنها حالة خاصة لنا جميعاً، ونجاحها كان سيغير المشهد العام في كرة القدم العربية وليس فقط المصرية
كما أن قيمة اللاعب المصري عالمياً ارتفعت بهذه المشاركة، فلم تعد مصر بنظر الأندية محمد صلاح، رؤية تألق مصطفى شوبير وإمام عاشور وزيكو، ستجعل الأندية الأوروبية بمختلف أهميتها تدرك بأن مصر خزان مواهب كبير، ويجب طرق أبوابه قبل أن يتقدم اللاعبون بالعمر، وبالتالي أتوقع زخماً في التعاقدات مع اللاعبين المصريين، كما حدث من قبل مع السنغال والكاميرون.
هنا يجب أن أطلب من الأندية المصرية تساهلاً مع رحيل اللاعبين، والتوقف عن تعقيد كل صفقة، قلتها سابقاً، على أنديتنا التعلم من التجربة اليابانية، حيث الثقافة هناك هي تسهيل رحيل لاعبي اليابان إلى أوروبا، وهذا ما يعود بالفائدة على الجيل التالي من اللاعبين، وعلى المنتخب، ويجني بشكل تراكمي أرباحاً جيدة للأندية.
اقرأ أيضًا
كما أنني أثق بأن عقلية اللاعب في مصر سوف تتغير أكثر تجاه الاحتراف، سوف ينتهي الانطباع السابق بأنه يفضل البقاء في نعيم الأهلي والزمالك، حيث الرواتب الجيدة والنجومية المحلية، لأنه أدرك الآن بأنه يستطيع تحقيق نفس المكاسب في أوروبا، ومنافسة أصعب اللاعبين، فقد برهن المونديال على امتلاكه القدرات لفعل ذلك.
ومن شأن نجاح لاعب مثل هيثم حسن بترك بصمة جيدة، أن يحيي مشروع البحث عن نجوم المهجر، تماماً مثلما تفعل منتخبات أفريقية أخرى، بل أتوقع أن يتلقى الاتحاد المصري اتصالات عديدة من هؤلاء اللاعبين، لأن تمثيل الفراعنة بات الآن فرصة مهمة لهؤلاء كي يراهم العالم.
وبما أن كرة القدم باتت استثمارية، فلا بد من الحديث عن هذا الموضوع، فمن المتوقع أن تنشط حركة الاستثمار والرعاية في الكرة المصرية، ما بين استثمار في أندية أو أكاديميات أو دعم تجاري، وهذا يعني بالتأكيد النهوض بالبنية التحتية الرياضية وخطوط إنتاج اللاعبين، التي ستخدم بشكل مباشر كلاً من المنتخب والدوري.
كما أن شخصية المنتخب على الأغلب أخذت بعدًا مختلفاً أبدياً، فالتجربة الملحمية في المونديال، ستبقى ذكرياتها لفترة طويلة، وسوف تعزز مسؤولية كل لاعب يرتدي القميص الأحمر، لم تعد المشاركة الجيدة مقبولة في كأس أمم أفريقيا، ولا حتى في الأندية مع دوري أبطال أفريقيا، التجارب الكبرى عادة ما تصقل شخصيات الجيل كاملاً وليس فقط اللاعبين.
وتبقى نقطة سنرى نتائجها بعد 10 سنوات ربما، تتمثل بأن المونديال الحالي كان في مصر تجربة وطنية خالصة، وهذا يعني أن الأطفال والناشئين شاهدوه، وظهور منتخبهم أمامهم بشكل قوي يدفعهم نحو كرة القدم، ويدفعهم للاجتهاد فيها، ويرفع سقف طموحهم بأننا عندما نصل سوف نهزم الأرجنتين، وهذا سيجعلنا نرى نوعية مختلفة من اللاعبين خلال سنوات، وعندها سوف تستفيد الكرة المصرية بشكل واضح.
بالنسبة لي، كنت أريد مصر أن تكسب هذا اللقاء، ليس لأنها منتخب عربي فقط، بل لأنها حالة خاصة لنا جميعاً، ونجاحها كان سيغير المشهد العام في كرة القدم العربية وليس فقط المصرية، لكن حدث ما حدث، ونقول للمصريين ارفعوا رؤوسكم فقد كان مونديالاً عظيماً، وخلقتم حراكاً شعبياً مذهلاً.
يجب أن أختم بأن كل ما ذكرته، يحتاج لخطاب إعلامي مختلف قريباً، يجب أن يتوقف الكلام عن التحكيم والظلم، فهذا خطاب منفر للجيل الناشئ والمستثمرين، ويجب أن يبدأ خطاب يركز على التنافسية والقوة التي ظهر فيها هذا المنتخب، من دون خطاب إعلامي إيجابي عن التجربة، سوف تضيع للأسف من دون تحقيق النتائج المرجوة.

