تنطلق كأس العالم في ثلاث دول مستضيفة، والجميع يجتهد محاولاً توقع البطل، كل منا يبني توقعه على منطق معين، وجميعنا نبدو على حق، لكن في نهاية المطاف، ربما يأتي البطل من منطق لم يخطر على بال أحد.
هذه البطولة عرفت من حققها بجودة هجومية خارقة مثل مونديال 2002، عندما قاد الثلاثي رونالدو ورونالدينيو وريفالدو البرازيل إلى اللقب، ثم عرفنا البطل بسبب الدفاع الممزوج بالروح القتالية مع إيطاليا عام 2006.
وبعدها جاء دور التقنية والتكتيك مع إسبانيا 2010 وألمانيا 2014، ثم تكامل الخطوط مع فرنسا 2018، وانتهت القصة مع الأرجنتين في 2022 بفضل الروح والعاطفة والإرادة بقيادة ليونيل ميسي في قطر.
أحاول شخصياً الاجتهاد دوماً لإيجاد النمط الذي يجعلني أتوقع بطل العالم بنجاح، نجحت أفكاري في حالات مثل ألمانيا وفرنسا، لكنها تهاوت أمام الأرجنتين في قطر، التي كانت نظرياتي تتوقع لها دور الثمانية فقط (ربع النهائي).
هذا المونديال يقام كل أربع سنوات، وهذه المسافة الزمنية هي سر جماله وخطورته، فهي مدة كافية تسمح بتغيير الكثير من الأمور في عالم كرة القدم، ما يجعل التوقع بناء على نسخ سابقة محفوفاً بالمخاطر.
على سبيل المثال، نحن ندخل مونديال 2026 ولدينا الكثير من الأساليب الجديدة، مثل أسلوب أرسنال القائم على الكرات الثابتة الذي ساعده على الفوز بلقب البريميرليغ، وأسلوب باريس سان جيرمان الذي يمزج الجودة والفوضى بالمنظومة وجعله سيد أوروبا مرتين.
في المقابل هناك مؤشرات لتراجع أهمية أسلوب اللعب التموضعي الذي صعد مع هيمنة برشلونة "غوارديولا"، وصعود اللعب النسبي (العلائقي) الذي لا يمكن التنبؤ به بسهولة.
نحن على الأغلب أمام مونديال ستكون معادلة توقع البطل فيه أصعب من أي وقت مضى، بل أكاد أقول إنها مستحيلة
هذه السنوات الأربعة تكفي لتغيير فلسفات وأفكار اللعبة، وتجديد الوجوه في بعض المنتخبات، كما أنها قد تؤدي لنضج جيل كامل من اللاعبين، هي من أهم أسباب جعل معادلة هذا المونديال متغيرة باستمرار، وقد تكون مستحيلة التوقع دوماً بشكل ناجح.
هذه الأيام، ينتشر مثلاً بعض التوقعات لمن تنبؤوا سابقاً بهوية بطل كأس العالم بنجاح لافت، لكنني أنتظر لمعرفة إن كانت هذه المعادلات قادرة فعلاً على تكرار نجاحها، أم أن المتغيرات التي تحدث خلال أربع سنوات، تجعل خلق معادلة أبدية لهذا اللقب أمراً غير قابل للتحقيق.
كما أنه لا ينبغي أن ننسى أنها كرة قدم وليست كرة سلة، وهناك نظرية قرأتها في الماضي ناتجة عن دراسة عدد كبير من المباريات، تقول إن متوسط اللحظات التي تشهدها كل مباراة هو 3 لحظات، ولعل لحظة كولو مواني مع إيمليانو مارتينيز مثلاً في نهائي 2022 أوضح مثال عليها، هذه اللحظات يظهر تأثيرها بشكل كبير كلما تقارب المستوى، فثلاث لحظات قد تعني 3 أهداف (إما يتم تسجيلها في الشباك أو ينجو منها أحد الفرق).
دائماً أردد لأصدقائي بأن توقع فوز الأرجنتين بكأس العالم لا يعد نبوغاً كروياً ولا دليل نجاح معادلة، لأننا نتحدث عن منتخب احتاج لركلات الترجيح مرتين كي يتوج باللقب، وهذا دليل جازم بأن الموضوع لم يكن كروياً بحتاً، فالبطل احتاج لابتسامة الحظ في المرتين، تماماً كما حدث ضد الأرجنتين ذاتها مع فرصة هيغواين ضد ألمانيا في نهائي 2014، وسوف تجد الكثير من هذه اللحظات التي رافقت كل بطل حمل الكأس.
ما بين الحظ والزمن، وما بين الإصابات التي تضرب الجميع، بالإضافة إلى درجات الحرارة المرتفعة التي يحذر منها كثيرون، وقوانين الطقس التي قد توقف بعض المباريات لساعات، فإننا على الأغلب أمام مونديال ستكون معادلة توقع البطل فيه أصعب من أي وقت مضى، بل أكاد أقول إنها مستحيلة.
لكن التوقع والتنبؤ جزء أساسي من شغف أي مشجع بكرة القدم، ولعل أفضل معادلة يتبعها كل منا دون تعقيد أو مبالغة بالاجتهاد، هي محاولة اللحاق بشعوره فقط، دون تفكير زائد يحاول ربط مقدمات منطقية، لأن النتيجة ستكون مثل محاولاتنا السابقة، سوف نكتشف أن طريق البطولة كان له منطق خاص جديد.

