تدخل المرحلة الثانية من برنامج الاستقطاب في الدوري السعودي منعطفًا أكثر نضجًا، بعدما لم يعد الهدف مقتصرًا على جلب الأسماء العالمية، بل باتت الرؤية أوسع، تتعلق بصناعة دوري أكثر تنافسية، أكثر حضورًا دوليًا، وأكثر قدرة على تمويل نفسه عبر نموذج واضح ومستدام.
وخلال السنوات الأخيرة، نجح الدوري السعودي في جذب أنظار العالم عبر استقطاب أسماء كبرى، مثل البرتغالي كريستيانو رونالدو والفرنسي كريم بنزيما والبرازيلي نيمار وغيرهم، لكن المشروع الجديد يبدو أبعد من مجرد التعاقد مع النجوم، إذ يتحرك نحو بناء دوري قادر على المنافسة اقتصاديًا وفنيًا وإعلاميًا مع أكبر المسابقات العالمية.
وجاء إعلان عمر مغربل، الرئيس التنفيذي لرابطة دوري المحترفين السعودي، عن ملامح المرحلة الثانية، ليكشف أن المشروع يتجه إلى مرحلة جديدة تقوم على 5 مبادئ رئيسية، في مقدمتها تغيير مكانة الدوري ووضعه ضمن الأفضل عالميًا، وتعزيز ظهوره الدولي، ورفع مستوى الحضور الجماهيري والإعلامي، إلى جانب زيادة إيرادات الأندية وتنويع مصادر دخلها.
الفارق الأبرز في المرحلة الجديدة يتمثل في آلية توزيع الدعم، إذ لن يكون البرنامج مجرد باب مفتوح للتعاقدات، بل سيعتمد على معايير مرتبطة بالأداء الرياضي والتجاري، ونسب المشاهدة خلال آخر 3 سنوات، بما يمنح أندية الدوري السعودي حافزًا مباشرًا لتطوير نتائجها داخل الملعب وقيمتها خارجه.
هذا التحول يعني أن دوري روشن السعودي يريد الانتقال من فكرة "الصفقة الكبرى" إلى "النادي القادر على النمو"، حيث تصبح الإدارة التجارية، والتسويق، والجماهيرية، والنتائج الرياضية جزءًا من معادلة واحدة، تحدد حجم الدعم والقدرة على المنافسة.
تقليل الفجوة بين أندية الدوري السعودي
أحد أهم أهداف المرحلة الثانية هو رفع مستوى التنافس وتقليل الفجوة بين الأندية، وهي نقطة تبدو محورية في مستقبل دوري روشن؛ لأن نجاح المشروع لا يُقاس فقط بقوة الهلال أو النصر أو الاتحاد أو الأهلي، بل بقدرة بقية الأندية على الاقتراب من القمة وصناعة مباريات أكثر صعوبة وإثارة.
وتنسجم هذه الخطوة مع توجه أوسع داخل الدوري السعودي نحو الاستدامة المالية والحوكمة، بعدما تحدثت تقارير دولية عن انتقال المسابقة من مرحلة الإنفاق الضخم، إلى مرحلة ضبط مالي أكثر تنظيمًا، مع لوائح رقابية تهدف للحفاظ على استقرار الأندية على المدى الطويل.
على مستوى الانتشار، حقق الدوري السعودي قفزات واضحة في السنوات الأخيرة، إذ تشير بيانات وتقارير إلى أن المسابقة باتت تُبث في أكثر من 180 دولة، مع نمو كبير في القيمة التجارية وحقوق البث والحضور الرقمي، وهو ما يجعل المرحلة الثانية امتدادًا طبيعيًا لرغبة الرابطة في تحويل الاهتمام العالمي، إلى قاعدة متابعة مستمرة لا ترتبط بلاعب واحد أو صفقة واحدة.
وتبدو المرحلة الثانية من برنامج الاستقطاب وكأنها اختبار حقيقي لنضج التجربة السعودية؛ فبعدما نجح الدوري في جذب أنظار العالم عبر النجوم، باتت المهمة الآن أصعب في بناء منافسة متوازنة، وأندية أكثر قدرة على صناعة الإيرادات، ومنظومة توزيع عادلة، وحضور دولي ثابت، يجعل دوري روشن حاضرًا بين الدوريات الكبرى لا كظاهرة مؤقتة، بل كمشروع كروي واقتصادي طويل المدى.

