لم تكن صورة النجم الفرنسي كيليان مبابي، الذي ظهر رفقة صديقته أمام ملهى ليلي في باريس مؤخرًا، هي المشكلة الحقيقية بقدر ما كان توقيتها وطريقة تعامله مع إصابته التي تعرض لها خلال فترة التوقف الدولي الحالية مع منتخب بلاده فرنسا.
مهاجم ريال مدريد، الذي غادر معسكر الديوك بعد إصابته، كان من المفترض أن يكون منشغلًا بعملية التعافي والاستعداد لاستكمال موسمه مع الملكي بعد انتهاء فترة التوقف الدولي، لكنه في المقابل ظهر في سهرة ليلية في باريس.
صحيح أنه لم يثبت، مثلًا، أن خروجه خالف تعليمات طبية أو أضر بعملية التعافي، لكن المشهد كان كافيًا لإعادة سؤال قديم إلى الواجهة: هل مبابي مجرد نجم مدلل يحتاج إلى تقويم، أم أن كرة القدم صنعت منه تفاحة فاسدة؟
مبابي المدلل.. حين يصبح الامتياز عادة
في باريس، حصل مبابي على قوة ونفوذ نادرين للاعب في عمره، وأصبح اللاعب الذي لا يريد النادي خسارته بأي ثمن، مع منحه امتيازات ضخمة مع كل عملية تجديد، ثم انتقل لاحقًا ليحقق حلمه باللعب في مدريد، باعتباره نجمًا لا يحتاج إلى إثبات مكانته من الصفر، والأرقام لم تخذله. فقد كان هداف الملكي في موسمه الأول، كما أنهى الموسم الثاني هدافًا لدوري أبطال أوروبا.
لكن الاكتفاء بوصف مبابي بالمدلل لا يفسر الأمر برمته؛ لأن المشكلة ليست في حصوله على امتيازات، فاللاعب الاستثنائي يحصل بطبيعته على مساحة استثنائية، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستثناء من مكافأة على القيمة إلى حق مكتسب لا يخضع للمراجعة، وهو ما يجعل اللاعب الذي اعتاد أن تتكيف الأشياء من حوله معه، يجد صعوبة في التكيف بنفسه مع الأشياء.
عندما يصبح تسجيل الأهداف بطاقة إعفاء
قبل عامين، وبعد وصول مبابي، خرج الإيطالي كارلو أنشيلوتي ليؤكد أنه يفضل أن يسجل الفرنسي الأهداف على القيام بواجبات أخرى، مثل الضغط والالتزام الدفاعي، معتبرًا أن مهمته الأساسية هي التمركز والاستعداد للتحولات. الجملة تبدو منطقية فنيًا، لكنها تكشف أيضًا عن مساحة كبيرة من الحماية الممنوحة للمهاجم الذي يفترض أن يكون رأس المشروع.
ومبابي نفسه لم يخفِ منطقًا قريبًا من ذلك. فالأهداف عنده ليست مجرد جزء من التقييم، بل تكاد تكون معيار التبرير الأساسي. والمشكلة أن اللاعب حين يتعلم مبكرًا أن موهبته تمنحه استثناءات، وأن أرقامه قادرة على امتصاص كثير من الانتقادات، قد يبدأ في النظر إلى الالتزام باعتباره أمرًا قابلًا للتفاوض.
حتى الكرة الذهبية دخلت في هذا السياق، فبعد موسم بلا أي لقب مع ريال مدريد أو فرنسا، قال مبابي إنه يستحق التتويج بالجائزة مستندًا إلى أرقامه الفردية وتألقه في كأس العالم، بعدما أصبح هدافًا تاريخيًا للبطولة. هذا ليس ادعاءً بلا أساس، لكنه يكشف عقلية لاعب يرى أن إنتاجه الفردي قادر على الوقوف مستقلًا عن حصيلة الفريق.
باريس بعد مبابي وريال مدريد مع كيليان
ثم تأتي المفارقة الأكثر إثارة. فبعد رحيل مبابي، لم يسقط باريس سان جيرمان كما توقع كثيرون. بالعكس، تحول الفريق إلى منظومة أكثر جماعية وفاز بدوري أبطال أوروبا مرتين متتاليتين. ولا يعني الأمر أن مبابي كان سببًا في إخفاقات النادي قبل ذلك، ولا أن رحيله وحده صنع التحول.
لكن بغيابه، صار باريس أقل اعتمادًا على فكرة النجم الذي يدور الفريق حوله. أما في مدريد، فالصورة أكثر تعقيدًا. مبابي توهج فرديًا، لكن الفريق لم يحصل بعد على الهيمنة التي ارتبطت عادة بأجياله الذهبية، كما استمرت الملفات المتعلقة بتوزيع الأدوار والانسجام الهجومي، وعلى رأسها علاقته بموقع فينيسيوس جونيور داخل المنظومة.
مبابي تفاحة فاسدة أم مرآة؟
قد يفسر كل ما سبق ولو القليل من أطوار شخصية مبابي الحالية، لكنه بالتأكيد لا يكفي لوصفه قطعًا كتفاحة فاسدة. فالتفاحة، إن فسدت، تلقي بظلالها على الجميع وتفسد السلة، ومبابي قد يكون في الحقيقة مرآة تكشف مشكلة السلة نفسها: كيف تتعامل مؤسسة ضخمة مع لاعب أصبحت قيمته أكبر من مجرد دوره داخل الملعب؟
اقرأ أيضًا
إذا أدرك مبابي أن النجومية لا تمنحه استثناءً من مسؤولية الجماعة، فستصبح سنوات باريس والضجيج الذي أحاط به مجرد مرحلة في طريق نضجه الكامل. أما إذا ظل يرى أن عظمته تمنحه حقًا دائمًا في أن تتكيف الأشياء من حوله معه، فقد تتحول الميزة التي صنعت نجوميته إلى القيد الذي يعوقها.

