ثمة لحظات في التاريخ لا تُقاس بأحداثها المباشرة، بل بما تكشفه عن المسارات التي سبقتها. فالحروب لا تختبر الجيوش وحدها، بل تختبر الدول التي بنت تلك الجيوش. والأزمات الاقتصادية لا تختبر الأسواق فقط، بل تختبر النماذج التي قامت عليها تلك الاقتصادات. وحدث كأس العالم ومنذ أن تحول إلى أكبر مسرح رياضي على وجه الأرض، لم يعد مجرد بطولة في كرة القدم، بل أصبح مختبرًا عالميًا تُوضع فيه مشاريع الأمم الكروية تحت المجهر.
هناك، حيث تتساوى الأعلام أمام صافرة البداية، لا تسافر المنتخبات وحدها. تسافر معها سنوات من التخطيط أو الارتجال، والاستثمار أو الإهمال، والاستقرار أو الفوضى. تسافر معها فلسفات كاملة في بناء اللاعب وإدارة اللعبة وصناعة الحلم. ولهذا فإن كأس العالم بالولايات المتحدة وكندا والمكسيك لن يكون مجرد محطة جديدة في تاريخ المشاركات العربية، بل سيكون لحظة تقييم تاريخية لمجمل التحولات التي عرفتها كرة القدم العربية خلال العقد الأخير.
ولعل ما يمنح هذه النسخة خصوصيتها أن العرب يدخلونها وهم يحملون إرثًا مختلفًا عن أي وقت مضى. ففي الماضي كانت المشاركة العربية تُقاس بعدد المنتخبات المتأهلة أو بإمكانية تجاوز الدور الأول. أما اليوم فقد تغيرت المعايير. فمنذ أن وقف المغرب في نصف نهائي مونديال قطر، لم يعد السؤال المطروح: هل تستطيع المنتخبات العربية منافسة الكبار؟ بل أصبح السؤال: هل تستطيع تحويل تلك اللحظة إلى مسار؟ وهنا تكمن القضية الحقيقية.
العرب في كأس العالم 2026.. تجارب مختلفة وطموحات متباينة
يعلمنا التاريخ الرياضي أن الإنجاز الأصعب ليس الوصول إلى القمة، بل البقاء قريبًا منها. والمفاجأة الكبرى ليست في صناعة لحظة استثنائية، بل في تحويل الاستثناء إلى قاعدة. لذلك فإن المغرب لا يدخل كأس العالم 2026 بصفته ممثلًا عربيًا وأفريقيًا بارزًا فقط، بل باعتباره حاملًا لأثقل عبء يمكن أن يواجهه أي مشروع ناجح وهو عبء التوقعات.
لقد كان وصول المغرب إلى نصف النهائي في قطر حدثًا أبهر العالم، لكن القيمة الحقيقية لذلك الإنجاز لم تكن في عدد المباريات التي فاز بها المنتخب، بل في أنه كشف للعالم عن مشروع ظل يتشكل بصمت لسنوات. أكاديميات حديثة، رؤية واضحة، استثمار طويل الأمد، وقدرة على توظيف الامتداد البشري المغربي في أوروبا ضمن هوية وطنية متماسكة. ولذلك فإن نجاح المغرب المقبل لن يُقاس بما إذا كان سيكرر نصف النهائي حرفيًا، بل بما إذا كان سيؤكد أن ما حدث في قطر لم يكن ومضة عابرة في سماء كرة القدم.
وفي الضفة الأخرى تقف الجزائر، ربما بوصفها أكثر التجارب العربية إثارة للحيرة. فمن النادر أن يمتلك منتخب هذا الحجم من الموارد البشرية والجودة الفنية والانتشار الاحترافي ثم يجد نفسه في كل مرة أمام سؤال الإمكانات غير المستغلة بالكامل. الجزائر لا تعاني من نقص المواهب، بل من ثقل التوقعات الناتجة عن وفرتها. ولهذا فإن الرهان الجزائري لا يتمثل في إقناع العالم بقدراته، فالعالم يعرفها جيدًا، وإنما في تحويل تلك القدرات إلى مسار تنافسي مستدام يعكس حقيقة ما يملكه هذا البلد من ثروة كروية هائلة.
أما مصر فتبدو وكأنها تحمل معها إلى كل نسخة من كأس العالم حوارًا مفتوحًا مع التاريخ. فحين نتحدث عن كرة القدم الأفريقية لا يمكن تجاوز اسم مصر، ليس فقط بسبب الألقاب والإنجازات، بل بسبب المكانة الرمزية التي احتلتها لعقود طويلة داخل القارة. ومع ذلك ظل السؤال العالمي مطروحًا بإلحاح: لماذا لا يتطابق الثقل الأفريقي مع الحضور الدولي؟
إن معضلة مصر ليست في نقص الإرث، بل ربما في وفرة الإرث ذاته. فالتاريخ العظيم قد يكون أحيانًا مصدر قوة، لكنه قد يتحول أيضًا إلى عبء حين يصبح الحاضر مطالبًا بمطاردة أمجاد الماضي باستمرار. ولهذا فإن التحدي المصري في أمريكا وكندا والمكسيك سيكون أعمق من مجرد تحقيق نتائج جيدة؛ إنه يتعلق بإعادة تعريف موقع مصر داخل المشهد العالمي بما يتناسب مع وزنها الحقيقي داخل القارة السمراء.
أما قطر، فتدخل مرحلة مختلفة تمامًا من تطورها الكروي. فالدول لا تُقاس بقدرتها على تنظيم حدث ضخم مثل كأس العالم فحسب، بل بقدرتها على الاستمرار بعد انطفاء الأضواء، والمشاركة الثانية تواليًا تحمل قيمة رمزية تفوق أحيانًا المشاركة الأولى نفسها، فالأولى قد تصنعها ظروف استثنائية، أما الثانية فتؤسس للشرعية الرياضية. ولهذا فإن قطر لا تبحث فقط عن الظهور المشرف، بل عن تثبيت فكرة أنها أصبحت جزءًا طبيعيًا من المشهد العالمي، لا حالة مرتبطة ببطولة استضافتها ذات يوم.
وفي العراق تتجسد قصة مختلفة تمامًا. قصة بلد ظل يصدر المواهب حتى في أكثر لحظاته صعوبة. ففي كثير من الأحيان بدت كرة القدم العراقية وكأنها تسير عكس قوانين الواقع، تنتج اللاعبين حيث تتراجع الإمكانات، وتصنع الأحلام حيث تتكاثر العقبات. ولذلك فإن العراق لا يمثل مجرد منتخب يشارك في بطولة عالمية، بل يمثل انتصارًا متكررًا لفكرة أن الموهبة البشرية قادرة على إيجاد طريقها حتى في البيئات الأكثر تعقيدًا.
أما تونس فقد اختارت عبر السنوات طريقًا أقل ضجيجًا وأكثر استقرارًا. لم تكن يومًا صاحبة المشروع الأكثر بهرجة، لكنها كانت غالبًا صاحبة المشروع الأكثر اتزانًا. وفي عالم كرة القدم، حيث تسقط مشاريع كثيرة تحت وطأة التسرع أو المبالغة في الطموح، اكتسب النموذج التونسي قيمة خاصة لأنه راهن على الاستمرارية قبل كل شيء. وربما لهذا السبب بقي حاضرًا حين غابت تجارب أخرى كانت تبدو أكثر بريقًا.
ويأتي الأردن إلى بطولة كأس العالم حاملًا أجمل ما في الرياضة: فرصة كتابة الفصل الأول. فهناك فارق كبير بين منتخب يحاول الدفاع عن تاريخه، ومنتخب يصنع تاريخه للمرة الأولى. المشاركة الأردنية لا تمثل مجرد ظهور جديد على الخريطة الكروية، بل تمثل ولادة سردية جديدة لكرة القدم الأردنية. والسؤال الحقيقي لن يكون ماذا سيفعل الأردن في البطولة، بل ماذا ستفعل البطولة بالأردن بعد انتهائها.
غير أن الحالة الأكثر إثارة للتأمل ربما تبقى السعودية، ليس لأنها الأقل أو الأكثر حظوظًا، بل لأنها تمثل تجربة غير مسبوقة في العالم العربي كله. ففي غضون سنوات قليلة تحولت المملكة إلى مركز جذب عالمي لكرة القدم، واستطاعت أنديتها استقطاب أسماء كانت حتى وقت قريب حكرًا على الدوريات الأوروبية الكبرى. ومن الناحية الاقتصادية والتسويقية يصعب إنكار حجم النجاح الذي تحقق.
لكن المنتخبات الوطنية لا تعترف بالأرقام التجارية وحدها، فالاختبار الحقيقي لأي مشروع كروي يظل في قدرته على إنتاج لاعب محلي أكثر جاهزية للمنافسة الدولية. وهنا يبرز السؤال الذي قد يحدد طبيعة الحكم على التجربة السعودية بأكملها: هل ساهمت الطفرة الهائلة في رفع مستوى اللاعب السعودي عبر الاحتكاك اليومي بأفضل النجوم والمدربين؟ أم أن اتساع مساحة المنافسة حدّ من فرص تطوره ومشاركته؟ قد لا توجد إجابة قاطعة الآن، لكن المونديال كأس العالم المكان الأمثل لطرح السؤال.
وفي النهاية، ربما يكون الخطأ الأكبر أن نختزل رحلة المنتخبات العربية في كأس العالم بحسابات النقاط والمجموعات والأدوار الإقصائية. فهذه لغة البطولة، لكنها ليست لغة التاريخ. التاريخ ينظر إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. ينظر إلى قدرة الأمم على التعلم من نجاحاتها وإخفاقاتها، وعلى تحويل اللحظات الملهمة إلى مؤسسات، والأحلام العابرة إلى مشاريع طويلة العمر.
ولهذا فإن كأس العالم 2026 لن يكون مجرد امتحان للمغرب أو الجزائر أو مصر أو قطر أو العراق أو تونس أو الأردن أو السعودية. سيكون امتحانًا لفكرة كاملة تشكلت في العالم العربي خلال السنوات الأخيرة؛ فكرة أن كرة القدم العربية لم تعد تكتفي بالمشاركة، بل أصبحت تبحث عن مكان دائم بين الكبار.
وإذا كان مونديال قطر قد منح العرب لحظة تاريخية غير مسبوقة، فإن مونديال أمريكا وكندا والمكسيك سيجيب عن السؤال الأهم: هل كانت تلك اللحظة بداية عصر جديد، أم مجرد استثناء جميل مرّ في تاريخ ما زال يبحث عن قواعده؟
ذلك هو التحدي الحقيقي، وذلك هو الذي يجعل من كأس العالم أكثر من مجرد بطولة.

