وراء الأسماء الكبيرة التي تملأ قوائم دوري روشن السعودي اليوم، توجد بدايات بعيدة تمامًا عن الأضواء التي تحيط بأصحابها؛ فالوصول إلى القمة لم يبدأ دائمًا من أكاديمية تمنح صاحبها طريقًا مباشرًا نحو النجومية.
فبعض نجوم المسابقة الحالية عاش لحظات شك حقيقية في سنواته الأولى، وآخر بدأ من نادٍ صغير قبل أن يشق طريقه إلى أحد أكبر أندية العالم، فيما احتاج لاعب إلى سنوات من الإعارات والدرجات الدنيا قبل أن يصل إلى منتخب بلاده والدوري الإنجليزي الممتاز.
وتجمع القصص الخمس أسماء تلعب حاليًا في دوري روشن للهلال والنصر والأهلي، حيث نعود بالذاكرة إلى الفترة التي سبقت الشهرة والعقود الضخمة والبطولات؛ حين كان اللاعبون مجرد مواهب تحاول العثور على الطريق الصحيح.
ومن رحلة يومية شاقة قطعها طفل برفقة والده في البرتغال، إلى مهاجم بدأ في الدرجة الرابعة الإنجليزية، مرورًا بقرية سنغالية بعيدة عن مراكز صناعة النجوم في أوروبا، تحمل البدايات تفاصيل يصعب توقعها عند النظر إلى المكانة التي وصل إليها أصحابها اليوم.
جواو فيليكس.. طفل بكى طالبًا العودة إلى المنزل
قبل أن يصبح جواو فيليكس أحد أبرز نجوم النصر، عاش الدولي البرتغالي واحدة من أصعب مراحل مسيرته وهو طفل داخل أكاديمية بورتو. بدأ فيليكس التدريب مع بورتو في السابعة من عمره، وكان والده يصطحبه 5 أيام أسبوعيًا من مدينته فيزيو إلى التدريبات، في رحلة ذهاب وعودة وصلت إلى نحو 150 ميلًا، قبل العودة إلى المنزل قرابة الحادية عشرة مساءً والاستيقاظ في الصباح للذهاب إلى المدرسة.
وعندما بلغ 11 عامًا وانتقل للإقامة بعيدًا عن أسرته، لم تمر الليلة الأولى بسهولة؛ فقد اتصل بوالده باكيًا وطالبه بالحضور لإعادته إلى المنزل، لكن والده وضع أمامه خيارًا واضحًا: يمكنه العودة، لكن رحلة التدريب ستنتهي أيضًا. اختار فيليكس البقاء.
المفارقة أن المشكلة الكبرى جاءت لاحقًا، فقد تراجعت مشاركاته في بورتو مع تقدمه في العمر، وقال اللاعب بنفسه إنه كان نحيفًا وقصير القامة مقارنة بزملائه، حتى وصل إلى مرحلة أراد خلالها الرحيل بحثًا عن مكان يلعب فيه ويشعر بالسعادة.
انتقل بعدها إلى بنفيكا، وهناك تغير مسار القصة بالكامل؛ تطور داخل النادي حتى وصل إلى الفريق الأول، وسجل 20 هدفًا في 43 مباراة، قبل انتقاله إلى أتلتيكو مدريد مقابل واحدة من أكبر رسوم الانتقال في تاريخ كرة القدم.
وبعد سنوات من التقلبات الأوروبية، وجد فيليكس في النصر موسمًا استثنائيًا؛ إذ سجل 20 هدفًا وصنع 13 خلال دوري روشن 2025-26، وأسهم في تتويج الفريق باللقب ونال جائزة أفضل لاعب في الموسم.
كريم بنزيما.. هدفان فتحا باب ليون
قبل ريال مدريد والكرة الذهبية ودوري روشن السعودي، بدأت مسيرة كريم بنزيما بعيدًا عن الملاعب الكبرى في نادي برون تيرايون بضواحي مدينة ليون، ولفت المهاجم الفرنسي أنظار مسؤولي أولمبيك ليون عندما سجل هدفين أمام فريق النادي في مباراة للفئات السنية، لينتقل بعدها إلى منظومة ليون ويبدأ طريقه الحقيقي نحو الاحتراف.
وارتبط بنزيما بالنادي منذ طفولته، كما عمل جامعًا للكرات في مباريات الفريق قبل أن يصبح لاحقًا أحد أبرز مهاجميه، وفي سنوات التكوين، ظهرت قدرته التهديفية مبكرًا؛ إذ سجل 38 هدفًا في موسم واحد مع فريق ليون تحت 16 عامًا، ومن تلك البداية صعد إلى الفريق الأول، ثم انتقل إلى ريال مدريد عام 2009 ليبدأ رحلة أسطورية، قبل الانتقال إلى دوري روشن من بوابة الاتحاد عام 2023، ثم ارتداء قميص الهلال في فبراير/شباط 2026.
المسافة بين طفل يجمع الكرات في ليون وصاحب الكرة الذهبية تبدو هائلة، لكنها بدأت عمليًا من مباراة لفئة عمرية صغيرة كانت كافية لجذب انتباه النادي الذي صنع بدايته.
سمرفيل.. 11 عامًا في فينورد دون مباراة للفريق الأول
يصل كريسينسيو سمرفيل إلى الهلال باعتباره واحدًا من أبرز صفقات صيف 2026، لكن قصته تحمل مفارقة لافتة؛ فاللاعب الذي قضى معظم طفولته داخل فينورد لم يخض مباراة رسمية واحدة مع الفريق الأول للنادي.
انضم سمرفيل إلى أكاديمية "فاركينورد" الشهيرة التابعة لفينورد عام 2008 وهو لاعب تحت 7 سنوات، أي أنه قضى أكثر من عقد داخل منظومة النادي الهولندي منذ مرحلة مبكرة للغاية.
لكن طريقه إلى كرة القدم الاحترافية لم يمر مباشرة عبر الفريق الأول؛ إذ خرج معارًا إلى دوردريخت، ثم أدو دين هاغ، قبل أن يغادر هولندا نهائيًا صوب ليدز يونايتد في 2020.
اقرأ أيضًا..
هناك بدأت القفزة الكبرى. تطور سمرفيل تدريجيًا في إنجلترا، ثم قدم موسمًا استثنائيًا مع ليدز في دوري الدرجة الأولى 2023-24 ونال جائزة أفضل لاعب في البطولة، قبل انتقاله إلى وست هام ثم الهلال في صيف 2026 بعقد يمتد 4 أعوام؛ ليبدأ مغامرة جديدة في دوري روشن السعودي.
قصة سمرفيل مختلفة عن النموذج التقليدي لخريج الأكاديمية الكبرى؛ فقد حصل على سنوات طويلة من التكوين في فينورد، لكنه اضطر إلى مغادرة النادي دون أن يرتدي قميص فريقه الأول رسميًا، ثم بنى اسمه بعيدًا عنه.
إيفان توني.. من الدرجة الرابعة إلى منتخب إنجلترا
لم يدخل إيفان توني كرة القدم من أبواب إحدى أكاديميات أندية القمة الإنجليزية، ولم يكن طريقه إلى الدوري الممتاز مختصرًا. بدأ مهاجم الأهلي مسيرته مع نادي مدينته نورثامبتون تاون، وأصبح في عام 2012 أصغر لاعب يمثل الفريق الأول في تاريخ النادي عندما شارك وهو في السادسة عشرة من عمره. وبعد تسجيل 13 هدفًا في أول 60 مباراة، انتقل إلى نيوكاسل يونايتد وهو في الـ19.
لكن الانتقال إلى نادٍ في الدوري الإنجليزي الممتاز لم يعنِ الوصول إلى القمة؛ إذ لم يحصل توني على فرصة حقيقية مع نيوكاسل، وبدأ رحلة طويلة من الإعارات شملت بارنسلي وشروزبري وسكونثورب وويغان، قبل أن يرحل نهائيًا.
حتى ناديه السابق برينتفورد وصف مسيرته بأنها طريق غير اعتيادي؛ فقد بدأ في نورثامبتون، ثم خرج من نيوكاسل دون الحصول على فرصته، قبل أن يعيد بناء مسيرته في الدرجات الدنيا وصولًا إلى بيتربورو ثم برينتفورد.
وفي النهاية أصبح توني مهاجمًا للمنتخب الإنجليزي ونجمًا في البريميرليغ، ثم انتقل إلى الأهلي في أغسطس/آب 2024 بعقد يمتد حتى 2028، وفي موسم 2025-26 سجل 32 هدفًا وصنع 7 خلال دوري روشن السعودي، ليشارك مباشرة في 39 هدفًا.
ساديو ماني.. الرحلة بدأت من قرية صغيرة في السنغال
قبل ليفربول وبايرن ميونخ والنصر، بدأت قصة ساديو ماني في بامبالي، القرية الصغيرة الواقعة في جنوب السنغال، بعيدًا عن الأكاديميات الأوروبية والبنية التي تحيط عادة بالمواهب الكبرى.
وتُوصف مسيرة ماني بأنها تجسد حلم ملايين الأطفال الأفارقة؛ إذ خرج من قرية صغيرة في السنغال قبل الوصول إلى أعلى مستويات كرة القدم الأوروبية والتحول إلى أحد أشهر لاعبي القارة.
انتقل ماني لاحقًا إلى أكاديمية جينيراسيون فوت في دكار، ومنها فُتح له الباب نحو أوروبا عبر ميتز الفرنسي. لم يكن النادي وقتها محطة نهائية بقدر ما كان نقطة البداية لمسيرة حملته لاحقًا إلى ريد بول سالزبورغ وساوثهامبتون وليفربول وبايرن ميونخ.
ومع ليفربول حقق دوري أبطال أوروبا والدوري الإنجليزي وكأس العالم للأندية، كما قاد السنغال إلى لقب كأس أمم أفريقيا، قبل انتقاله إلى النصر في 2023. ويظل موجودًا حاليًا ضمن قائمة بطل دوري روشن لموسم 2026-27.
وإذا كانت بعض قصص النجوم تبدأ داخل أكاديمية عالمية منذ الطفولة، فإن رحلة ماني تقدم النموذج المعاكس؛ موهبة خرجت من بيئة بعيدة عن أضواء أوروبا، ثم احتاجت إلى الانتقال من بامبالي إلى دكار ومنها إلى فرنسا قبل أن يعرف العالم اسمها.
دوري روشن يجمع مسارات بدأت من أماكن مختلفة
تكشف قصص هؤلاء النجوم أن الطريق إلى القمة لم يكن واحدًا؛ فيليكس مر بمرحلة صعبة في بورتو انتهت برحيله إلى بنفيكا، بينما لفت بنزيما أنظار ليون خلال مباراة للفئات السنية، وقضى سمرفيل أكثر من عقد داخل أكاديمية فينورد من دون أن يخوض مباراة رسمية مع الفريق الأول.
وفي إنجلترا، احتاج توني إلى المرور بعدة إعارات والعودة إلى الدرجات الأدنى قبل أن يثبت نفسه في البريميرليغ، فيما انطلقت رحلة ساديو ماني من قرية بامبالي السنغالية، قبل أن تقوده إلى أوروبا والتتويج بأكبر البطولات.
وبعد سنوات من تلك البدايات المتباينة، يجتمع الخماسي اليوم في دوري روشن السعودي، بعدما تحول كل مسار بطريقته إلى قصة نجاح؛ من لاعب فكر في الرحيل مبكرًا، وآخر شق طريقه عبر الدرجات الأدنى، إلى نجوم انتهت رحلتهم بالتتويج بكبرى البطولات الفردية والجماعية.
وربما تكون المفارقة الأبرز أن دوري روشن يجمعهم الآن في محطة واحدة، رغم أن نقطة البداية لم تكن متشابهة على الإطلاق؛ وهو ما يمنح النظر إلى مسيرتهم الحالية معنى مختلفًا عند معرفة الطريق الذي قطعه كل منهم للوصول إليها.

