لم يكن البيان الرسمي الذي أعلن من خلاله النادي الأهلي التعاقد مع الهولندي مارينو بوشيتش مجرد استعراض تقليدي لسيرته الذاتية، بل حمل رسالة لافتة في طريقة تقديم المدرب الجديد إلى الجماهير، بعدما اختار النادي أن يسلط الضوء على محطة بعينها في مسيرته التدريبية، وهي الفوز التاريخي على برشلونة، رغم أن الرجل حقق لقب الدوري الأوكراني مرتين، وتوج بكأس أوكرانيا مرتين، وشارك في دوري أبطال أوروبا، كما خاض تجربة ناجحة في الدوري الإماراتي مع الجزيرة.
وجاء في البيان الرسمي للأهلي أن بوشيتش قاد شاختار دونيتسك إلى التتويج بالدوري الأوكراني الممتاز وكأس أوكرانيا مرتين، "بما في ذلك فوز تاريخي على برشلونة"، وهي العبارة التي لم تمر مرور الكرام، لأنها لم تكن ضرورية للتعريف بإنجازاته، لكنها كانت كافية لتقديم صورة ذهنية مختلفة عن المدرب الجديد أمام جماهير الراقي.
مباراة واحدة اختصر بها الأهلي مسيرة مدربه
قد يحقق أي مدرب بطولات محلية، وقد ينجح في قيادة فريقه للمنافسة على الألقاب، لكن الانتصار على برشلونة يبقى حدثًا مختلفًا في نظر جماهير كرة القدم حول العالم، ولذلك بدا واضحًا أن الأهلي تعمد إبراز هذه المحطة تحديدًا، لأنها تمثل رسالة مباشرة إلى جماهيره مفادها أن المدرب الجديد سبق له التفوق على أحد أكبر أندية العالم، وأنه لا يأتي إلى جدة بصفته اسمًا مجهولًا أو مدربًا يفتقد للإنجازات الكبيرة.
فالحديث عن لقب الدوري الأوكراني قد لا يجذب انتباه المشجع العادي بنفس قدر عبارة "هزم برشلونة"، وهي الرسالة التي اختارها الأهلي لتكون جزءًا من تقديم المدرب منذ اللحظة الأولى.
اقرأ أيضًا
لماذا كان هذا الفوز استثنائيًا؟
تعود القصة إلى نوفمبر 2023، عندما كان مارينو بوشيتش قد تولى قيادة شاختار دونيتسك قبل أيام قليلة فقط، ليجد نفسه أمام اختبار من أصعب الاختبارات الممكنة، وهو مواجهة برشلونة في دوري أبطال أوروبا.
ورغم الفوارق الكبيرة في الإمكانات والأسماء، نجح شاختار بقيادة بوشيتش في تحقيق الفوز بهدف دون رد، في واحدة من أكبر مفاجآت دور المجموعات، ليمنح فريقه ثلاث نقاط ثمينة، ويوقف برشلونة الذي كان مرشحًا لحسم المباراة بسهولة.
ولم تكن قيمة الانتصار في النتيجة فقط، بل في الظروف التي جاء خلالها، إذ كان شاختار يعيش واحدة من أصعب الفترات في تاريخه بسبب الحرب في أوكرانيا، واضطر إلى خوض مبارياته الأوروبية بعيدًا عن ملعبه وجماهيره، بينما كان اللاعبون يعيشون ظروفًا استثنائية على المستويين النفسي واللوجستي.
انتصار لكرة القدم الأوكرانية
بعد المباراة، لم يتعامل بوشيتش مع الفوز على أنه مجرد ثلاث نقاط في دوري الأبطال، بل وصفه بأنه انتصار يتجاوز حدود فريقه، مؤكدًا أن ما حدث يمثل لحظة مهمة لكرة القدم الأوكرانية كلها، لأن فريقه أثبت أنه قادر على منافسة كبار أوروبا رغم الظروف الصعبة التي يعيشها النادي والبلاد.
هذا التصريح يعكس جانبًا مهمًا من شخصية مدرب الأهلي الجديد، فهو لا ينظر إلى المباريات الكبرى باعتبارها مناسبات للدفاع وانتظار الأخطاء، بل يؤمن بأن فريقه يستطيع فرض شخصيته حتى أمام أندية بحجم برشلونة.
رسالة الأهلي كانت واضحة
لو أراد الأهلي الاكتفاء بسرد السيرة الذاتية، لكان الحديث عن أربعة ألقاب محلية مع شاختار، أو عن تتويجه بالدوري مع تفينتي، أو عن عمله ضمن الجهاز الفني لآرني سلوت في فينورد، لكن النادي اختار أن يضع عبارة "فوز تاريخي على برشلونة" داخل البيان الرسمي، وهو ما يعكس رغبة واضحة في تقديم المدرب بصورة مختلفة.
فالأهلي يعلم أن جماهيره قد لا تكون على دراية كاملة بتفاصيل الكرة الأوكرانية أو الهولندية، لكن الجميع يعرف قيمة برشلونة، ويعرف أن الفوز عليه ليس أمرًا يتكرر كثيرًا، ولذلك كانت تلك المباراة أفضل وسيلة لتعريف الجماهير بمدربها الجديد.
هل كان هذا هو الإنجاز الأكبر؟
ورغم أن الفوز على برشلونة خطف الأضواء، فإنه لم يكن الإنجاز الوحيد في مسيرة بوشيتش، إذ نجح في قيادة شاختار إلى التتويج بالدوري الأوكراني مرتين، كما أحرز كأس أوكرانيا مرتين، ونجح في الحفاظ على شخصية الفريق رغم الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب، قبل أن ينتقل إلى تجربة الجزيرة الإماراتي، ومنها إلى الأهلي السعودي.
لكن يبدو أن إدارة الأهلي رأت أن الحديث عن مباراة برشلونة سيصل إلى الجماهير بصورة أسرع من أي لقب محلي، لأن هذه المباراة أصبحت علامة فارقة في مسيرة المدرب، حتى أن وسائل الإعلام الأوروبية اعتبرتها واحدة من أبرز مفاجآت دوري أبطال أوروبا في ذلك الموسم.

بداية تحمل رسالة
وباختياره تسليط الضوء على هذه المحطة تحديدًا، يكون الأهلي قد أرسل رسالة مبكرة إلى جماهيره مفادها أن المدرب الجديد ليس مجرد اسم جاء لتجربة جديدة في دوري روشن، بل رجل سبق له الوقوف أمام أحد أكبر أندية العالم والخروج منتصرًا، وهي الرسالة التي أراد النادي أن يفتتح بها صفحة مارينو بوشيتش مع بطل آسيا.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام المدرب الهولندي اليوم هو أن يحول تلك الذكريات الأوروبية إلى نجاحات جديدة بقميص الأهلي، لأن الجماهير التي قرأت في البيان الرسمي عبارة "فوز تاريخي على برشلونة" ستنتظر الآن أن ترى إنجازات جديدة داخل الدوري السعودي ودوري أبطال آسيا.

