رحلة البحث عن الخلود.. رونالدو على خطى جلجامش!

كريستيانو رونالدو جلجامش كرة القدم (Getty)

كريستيانو رونالدو جلجامش كرة القدم (Getty)

3 أكتوبر 2026
رحلة البحث عن الخلود.. رونالدو على خطى جلجامش!

ربما لا يوجد لاعب في تاريخ كرة القدم تعامل مع الزمن كأنه خصم مباشر أكثر من البرتغالي كريستيانو رونالدو، فكلما ظن الجميع أن الجسد قال كلمته الأخيرة، عاد هو ليؤجل النهاية قليلا، وكلما اقتربت مسيرته من المشهد الختامي، بحث عن موسم آخر، رقم جديد، وربما ألف هدف قبل أن يطفئ الأنوار ليسدل الستار على فصول مشواره الزاخر.

ليس غريبا إذن أن يبدو رونالدو أحيانا كأنه لا يريد أن يعتزل اللعبة، بقدر ما يريد أن يهزم مفهوم الاعتزال نفسه. يريد أن يستمر مادام هناك شيء يمكن انتزاعه من الزمن. كل موسم إضافي يعني بالنسبة له انتصارا صغيرا على فكرة النهاية.

والآن يبدو الأمر كما لو أن تقلبات الأيام عادت بنا إلى ما حدث في زمن بعيد. هناك في بلاد ما بين النهرين مع قصة عمرها آلاف السنين، تريد أن تحيطنا علما بل تؤكد بما لا يدع مجالا لأي شك، أن رونالدو هو جلجامش كرة القدم!.

جلجامش.. الرجل الذي اكتشف أن الموت أقوى منه

في ملحمة جلجامش، إحدى أقدم الملاحم الأدبية المعروفة في العراق، لم يبدأ البطل رحلته بحثا عن الخلود لأنه كان ضعيفا، لكنه اكتشف فجأة أن قوته لا تستطيع هزيمة الشيء الوحيد الذي يهزم الجميع لا محالة: الموت.

كان ذلك بعد موت صديقه إنكيدو، حيث تغير حينها ما يدور في مخيلة جلجامش تماما، وتحول السؤال الذي دار طويلا في رأسه من كيف أنتصر؟ إلى كيف لا أموت؟ وهذه هي اللحظة التي تتغير فيها طبيعة القصة برمتها.

فجلجامش الذي اعتاد أن يواجه المخاطر بقوة الجسد، يكتشف أن هناك خصما لا يمكن التغلب عليه بالسيف ولا الشجاعة ولا السلطة. فيسافر ويبحث عن عشبة قيل إنها تمنح الشباب والحياة والخلود، قبل أن يتحصل عليها في النهاية بعد مشقة طويلة.

كريستيانو رونالدو على خطى جلجامش

ثم يستريح جلجامش من شدة التعب بعدما نال مراده، فتأتي أفعى وتسرق العشبة منه في لمح البصر، ليكتشف في النهاية أن الخلود الجسدي ليس متاحا للبشر، وأن الإنسان لا يستطيع الانتصار على الموت بالطريقة التي تخيلها.

وهنا يصبح التشابه مع كريستيانو رونالدو غريبا إلى حد بعيد. البرتغالي لم يبحث عن عشبة سحرية، لكنه قضى سنوات وهو يفعل الشيء نفسه بصورة واقعية: يقاتل الشيخوخة، يغير جسده، يطيل مسيرته، ويعيد اختراع نفسه كلما بدأ الزمن في سحب البساط من تحت قدميه.

تعامل الدون مع جسده وكأنه أصبح مختبرا دائما لمعرفة إلى أي مدى يستطيع الإنسان أن يؤجل النهاية، لكن هناك لحظة لا يستطيع حتى رونالدو تجاوزها. لحظة الاعتراف بأن الجسد مهما طال بقاؤه، فله موعد مع النهاية المحتومة.

اقرأ أيضًا

رونالدو أمام السؤال الأهم والتحدي الأصعب

وهنا تظهر الفكرة الأهم. فالخلود ليس بالضرورة أن تلعب إلى الأبد. يمكن أن يموت الجسد بينما تستمر الحكاية، وهذا هو الفارق بين أن تكون طويل العمر وأن تكون خالدا. الأول معركة مع الزمن، والثاني معركة مستحيلة مع النسيان ونتيجتها معروفة.

رونالدو يستطيع أن يؤخر الاعتزال عاما، عامين، وربما أكثر. يستطيع أن يطارد رقما جديدا، وأن يسجل أهدافا أخرى، وأن يجعل جسده يؤجل ما يبدو حتميا، لكنه لا يستطيع أن يطلب من الزمن التوقف، وإن أراد مواجهة واقعه فعلا، فعليه أن يعرف فقط ماذا سيبقى منه عندما يتوقف.

ماذا لو كان الخلود ممكنا بطريقة أخرى؟

جلجامش وصل في النهاية إلى الحقيقة التي كان يهرب منها طوال رحلته. البشر لا يستطيعون أن يهزموا الموت بأجسادهم. العشبة لم تنقذه والرحلة لم تمنحه ما أراد، والقوة التي جعلته مختلفا عن الجميع لم تكن كافية لمنحه حياة أبدية.

لكن لحظة كهذه يجب أن تجعلنا نتساءل: إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد، فهل يستطيع أن يجعل شيئا منه يعيش بخلاف الإرث والمكانة والأسطورة؟

شكسبير يعرف طريقة خلود كريستيانو رونالدو

الشاعر الإنجليزي الشهير ويليام شكسبير لديه الإجابة. لم يحاول الأخير أن يجد طريقة للهروب من الموت، بل اقترح ما رأه شيئا أكثر توافقا مع الأقدار المحتومة. أن يترك الإنسان نفسه في شخص آخر، فيستمر ما فيه بعد أن يتوقف هو عن الوجود.

في أول 17 قصيدة من قصائد شكسبير المعروفة باسم قصائد الإنجاب، يحاول الشاعر إقناع شاب جميل بالزواج والإنجاب، لأن وسامته إذا ظلت محصورة في جسدة ستموت معه، إما إذا انتقلت إلى أبنائه فإنها ستظل حاضرة في وجوه لم تولد بعد. وهنا يصبح الابن في فلسفة شكسبير أكثر من وريث. إنه مقاومة صامتة للزمن.

العشبة التي أضاعها جلجامش قد يجدها رونالدو

لذلك فكريستيانو رونالدو الذي فعل كل ما يستطيع الإنسان فعله لمقاومة الزمن، قبل مواجهة الجدار نفسه الذي اصطدم به جلجامش، عليه الآن النظر بتمعن إلى ما أشار إليه شكسبير. عليه الالتفاف كثيرا نحو كريستيانو جونيور الذي لا يعتبر مجرد ابن للاعب عظيم، بل يمكن أن يصبح أحد الاحتمالات النادرة لاستمرار الحكاية بعد صاحبها.

جونيور يلعب حاليا مع ناشئي النصر السعودي، كما مثل بعض المراحل السنية لمنتخب البرتغال، وليس المطلوب أن يكون نسخة من أبيه ولا أن يكرر إنجازاته. المطلوب فقط أن يحمل شيئا منه إلى زمن لن يكون رونالدو موجودا فيه. ويستطيع كريستيانو أن يمنحه المعرفة والخبرة، وطريقة النظر إلى اللعبة وفلسفة العمل التي صنعت الأب. 

وهذا هو الفارق بين الخلود الجسدي والخلود عبر الأثر. جلجامش أراد الأول فعجز، وشكسبير اقترح الثاني، ورونالدو الذي أمضى حياته كلها يفاوض الزمن داخل الميدان، قد يجد أن آخر مباراة له لن تكون مع الزمن أصلا، بل مع النسيان!

مباريات اليوم