بيلينغهام يُعيد إحياء مركز انقرض في كرة القدم

نجم ريال مدريد بيلينغهام يتألق بشكل لافت في بداية الموسم الحالي (Getty)

نجم ريال مدريد بيلينغهام يتألق بشكل لافت في بداية الموسم الحالي (Getty)

شهد ملعب "سانتياغو برنابيو" مرة أخرى أفضل نسخة من جود بيلينغهام، بعدما كان لاعب الوسط الإنجليزي أبرز نجوم ريال مدريد في الفوز الكبير (4-0) على ملقا في الدوري الإسباني، حيث افتتح التسجيل بهدف فردي رائع، بدا وكأنه لوحة كروية متكاملة من البداية إلى النهاية، بالركض لمسافة 40 مترا.

بدأت اللقطة عندما التقط بيلينغهام كرة مرتدة في وسط الملعب، وانطلق بها إلى الأمام بعدما تعرض أحد زملائه للافتكاك. تجاوز أول خصم وتركه على الأرض، قبل أن يواصل تقدمه قُطريا داخل منطقة الجزاء ويتخطى مدافعين آخرين قد ترددا في محاولة إيقافه، ثم أنهى الهجمة ببراعة عندما مرر الكرة من بين قدمي الحارس ألفونسو هيريرو من زاوية ضيقة، لتستقر في الزاوية البعيدة. في تلك اللحظة، كان "بيلي" ببساطة غير قابل للإيقاف.

وأشاد المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو، بلاعبه بعد المباراة، مؤكدًا أنه ليس مجرد لاعب كبير، بل قائد أيضًا. وقال إن اللاعب يطالب نفسه بالكثير، ويطالب زملاءه بالمستوى نفسه، وهو أمر يعجبه فيه كثيرًا، قبل أن يضيف أن الدولي الإنجليزي منافس حقيقي على الكرة الذهبية، وأن ما يقدمه في مركز الوسط أمر خارق.

عاد مورينيو فعاد بيلينغهام للتألق مع ريال مدريد

عودة مورينيو إلى ريال مدريد هذا الصيف لولاية ثانية لم تعُد ببيلينغهام إلى دائرة الضوء فقط، بل غيّرت أيضًا شكل الفريق والدور الذي يلعبه النجم الإنجليزي داخل الملعب.

وخلال فترة الانتقالات، كانت هناك مطالبات بتدعيم خط الوسط، فتعاقد النادي مع برناردو سيلفا بعد رحيله عن مانشستر سيتي، كما حاول التعاقد مع رودري، الذي انتهى به الأمر بالانتقال إلى برشلونة. ومع ذلك، كانت هناك أصوات داخل النادي ترى أن بيلينغهام يجب أن يظل القائد الحقيقي للفريق في وسط الملعب، وهو الرأي الذي اتفق معه مورينيو.

اقرأ أيضًا

يعتمد المدرب البرتغالي على طريقة 4-2-3-1، وهي طريقة تجبر الدولي الإنجليزي على القيام بواجبات دفاعية، لكنها تمنحه حرية كبرى بكثير. لم يعد مطالبًا باللعب كارتكاز دفاعي تقليدي، كما كان يحدث معه كثيرًا تحت قيادة تشابي ألونسو خلال النصف الأول من الموسم الماضي، بل أصبح يتمتع بحرية كبرى لاستغلال قدراته بالقرب من منطقة جزاء المنافسين، تمامًا كما فعل مع منتخب إنجلترا في كأس العالم الأخيرة، حيث سجل 7 أهداف في 8 مباريات.

اللاعب كان قد عاد إلى التدريبات قبل أسبوع واحد فقط من مباراته أمام إسبانيول، بعد حصوله على راحة عقب المونديال، ولذلك لم يكن جاهزًا بدنيًا بنسبة 100%. ورغم ذلك، لعب 80 دقيقة وسجل هدفه الأول في الموسم خلال الفوز خارج الأرض (2-1)، لكن أهم ما قدمه في تلك المباراة كان دوره في الربط بين كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور، ثنائي هجوم ريال مدريد.

وفي الفوز بنتيجة 4-1 على ريال سوسيداد في الجولة الثانية، كان مجددًا في قلب أداء الفريق، حيث غطى مساحات كبيرة دون توقف، واستعاد الكرة داخل منطقة جزاء المنافس قبل أن يصنع هدفًا لفينيسيوس. لكن أفضل أداء له هذا الموسم جاء أمام ملقا، عندما بدا أخيرًا وكأنه استعاد كامل جاهزيته البدنية.

في الدقيقة الثالثة فقط، مرر بيلينغهام كرة رائعة إلى مبابي، لتبدأ أولى علامات الخلل في دفاع ملقا. ومع تراجع الفريق الضيف تدريجيًا تحت ضغط ريال مدريد، بدأ اللاعب يفرض نفسه أكثر في الثلث الهجومي، من خلال انطلاقاته المستمرة من الخلف.

وهكذا جاء هدفه؛ مراوغة رائعة بين المدافعين ثم إنهاء هادئ ودقيق. وبالطريقة نفسها تقريبًا أسهم في الهدف الثاني لريال مدريد، عندما وصل بشكل مفاجئ داخل منطقة الجزاء في الدقيقة (30) وقابل عرضية برأسه. واحتُسب الهدف في النهاية عكسيا للحارس هيريرو، بدلًا من إضافته إلى رصيد الإنجليزي.

أرقامه روت جزءًا من القصة؛ فقد سجل تدخلين ناجحين و5 عمليات استرجاع للكرة، لكن أرقامه في التمرير كانت ربما الأكثر دلالة، بعدما أكمل 36 تمريرة من أصل 38 بنسبة نجاح بلغت 94.7%، وكان 28 منها في نصف ملعب المنافس.

وعندما تم استبداله قبل نهاية المباراة بثلاث دقائق ودخل بدلًا منه أردا غولر، وقف جمهور البرنابيو لتحيته ومنحه تصفيقًا حارًا، في مشهد أكد حجم تأثيره على المباراة.

بعد 3 مباريات فقط في الموسم، يمتلك بيلينغهام هدفين وتمريرتين حاسمتين، لكن الأهم من الأرقام أنه يبدو لاعبًا استعاد حيويته وتألقه مع ريال مدريد، بعدما استعاد أيضًا حريته داخل الملعب.

ويبدو أن مورينيو لا يرغب على الإطلاق في رؤية بيلينغهام يعود إلى الدور الذي لعبه خلال موسم 2025-2026. وكشف المدرب البرتغالي بعد المباراة أن اللاعب كان يدافع أحيانًا في الموسم الماضي وكأنه ظهير أيسر ثانٍ، مؤكدًا أنه أخبره بأنه لا يريد رؤية ذلك الدور مرة أخرى، وأنه عقد معه اتفاقًا بهذا الشأن.

إحياء المركز رقم 10

تألق بيلينغهام في ريال مدريد وبرونو فرنانديز في مانشستر يونايتد في نفس الأسبوع حين سجل هاتريك وصنع هدفًا أمام إيبسويتش أعاد إحياء المركز رقم 10 الذي اختفى قليلاً في كرة القدم الحديثة.

هذا المركز الذي كان في الماضي رمزًا لصانع اللعب الكلاسيكي، اللاعب الذي يعيش بين الخطوط ويصنع الفارق بلمسته وتمريرته، تراجع مع تطور كرة القدم وارتفاع المتطلبات البدنية والضغط الجماعي، حتى بدا وكأنه من المراكز المهددة بالانقراض.

لكن بيلينغهام وبرونو يقدمان نسخة جديدة من الرقم 10، نسخة تناسب كرة القدم الحديثة. لم يعد اللاعب مجرد صانع لعب ينتظر الكرة بين الخطوط، بل أصبح مطالبًا بالتحرك المستمر والضغط والدفاع وربط الوسط بالهجوم، إلى جانب صناعة الفرص والوصول إلى منطقة الجزاء وتسجيل الأهداف، وهذا ما يفعله الثنائي.

بيلينغهام يمنح الرقم 10 قوته البدنية وقدرته على الاختراق والتسجيل، فيما يقدم برونو فرنانديز النسخة الإبداعية من خلال الرؤية والتمرير وصناعة اللعب، وأخيرًا بتسجيل هاتريك.

ربما لم يعد الرقم 10 الكلاسيكي موجودًا بالشكل الذي عرفناه مع ريكيلمي وزيدان وغيرهما، لكن تألق بيلينغهام وبرونو يؤكد أن المركز لم يمت، بل تطور. لقد عاد الرقم 10، ولكن هذه المرة بنسخة أكثر اكتمالًا وشراسة، لاعب يصنع الفارق بالكرة وبدونها.

مباريات اليوم