لم يكن غياب رياض محرز عن التشكيل الأساسي للمنتخب الجزائري في المباراة الافتتاحية بكأس العالم 2026 حدثًا عابرًا للجماهير، خاصة عندما يتعلق الأمر بأحد أعظم اللاعبين في تاريخ "الخضر".
قرار المدرب فلاديمير بيتكوفيتش بإبقاء قائد المنتخب على مقاعد البدلاء أمام الأرجنتين أثار موجة واسعة من الجدل، وانقسمت الآراء بين من اعتبر القرار شجاعًا وفنيًا، ومن وصفه بالمبالغ فيه أو حتى "الجبان".
ورغم أن محرز شارك بديلًا بداية من الدقيقة 64، أعادت الخسارة الثقيلة بنتيجة 0-3 فتح ملف حساس يتعلق بالحالة البدنية للنجم الجزائري البالغ من العمر 35 عامًا، وطرحت تساؤلات عديدة: هل تراجع بدنيًا بفعل عامل السن فقط؟ أم أن الضغط الكبير الذي تعرض له مع الأهلي خلال الموسم الماضي كان سببًا مباشرًا في انخفاض جاهزيته؟
موسم استثنائي مع الأهلي.. أرقام تكشف حجم المعاناة
بالنظر إلى أرقام رياض محرز مع الأهلي خلال الموسم الماضي، يتضح أن اللاعب خاض واحدًا من أكثر مواسمه استهلاكًا من الناحية البدنية، فقد شارك في 44 مباراة بمختلف المسابقات، بإجمالي 3811 دقيقة لعب، أي بمعدل يصل إلى 86.6 دقيقة في المباراة الواحدة.
هذه الأرقام تعكس اعتماد الجهاز الفني للأهلي بصورة شبه كاملة على خدمات النجم الجزائري، إذ لم يكن مجرد لاعب أساسي، بل أحد أكثر اللاعبين مشاركة في الفريق على مدار الموسم. ويكفي أن متوسط دقائق مشاركته اقترب من إكمال المباراة كاملة في معظم اللقاءات.
كما أن محرز غاب عن 8 مباريات فقط طوال الموسم، بينها 5 مباريات بسبب مشاركته مع المنتخب الجزائري في بطولة كأس الأمم الأفريقية، ما يعني أن فرص حصوله على الراحة كانت محدودة للغاية مقارنة بالضغط الكبير الذي تعرض له محليًا وقاريًا ودوليًا.
وفي كرة القدم الحديثة، لا ترتبط الجاهزية البدنية بعدد المباريات فقط، بل بكثافة المشاركات والسفر المتواصل وفترات الاستشفاء القصيرة، وهي عوامل قد تؤثر بشكل مباشر على اللاعبين الذين تجاوزوا الثلاثين عامًا.
بيتكوفيتش يقرأ الواقع.. قرار فني أم رسالة واضحة؟
قرار بيتكوفيتش بعدم الدفع بمحرز أساسيًا أمام الأرجنتين قد لا يكون مرتبطًا بمستوى اللاعب الفني بقدر ارتباطه بالحالة البدنية والقدرة على مجاراة إيقاع المباريات الكبرى.
فالمدرب السويسري يدرك أن كرة القدم الدولية، خاصة في البطولات الكبرى، تتطلب معدلات جهد مرتفعة للغاية سواء في الضغط أو التحولات الدفاعية والهجومية، وربما رأى أن محرز لم يعد قادرًا على تقديم نفس المردود البدني طوال 90 دقيقة كما كان يفعل في سنواته الذهبية.
قصة هدف ✨
ميسي يفتتح التسجيل للمنتخب الأرجنتيني! 😟 pic.twitter.com/V0us6lHVC2— winwin (@winwinallsports) June 17, 2026
لكن في المقابل، يرى قطاع كبير من الجماهير الجزائرية أن قيمة محرز الفنية وخبرته الكبيرة كانتا تفرضان وجوده في التشكيل الأساسي، خصوصًا في مباراة بحجم مواجهة الأرجنتين. ويعتقد هؤلاء أن حرمان المنتخب من مهارات قائده منذ البداية أفقد الفريق عنصرًا مهمًا في بناء الهجمات وصناعة الفرص.
وبين الرأيين، يبقى قرار بيتكوفيتش أحد أكثر القرارات الفنية إثارة للجدل في مسيرته مع المنتخب الجزائري حتى الآن.
هل يتحمل الأهلي المسؤولية أم أن العمر يفرض كلمته الأخيرة؟
من الصعب تحميل النادي المسؤولية بشكل كامل، خاصة أن الاعتماد على اللاعبين الكبار يحدث في معظم الفرق الكبرى عندما يكونون قادرين على العطاء. كما أن محرز ظل يقدم أرقامًا جيدة وإسهامات هجومية مؤثرة طوال الموسم.
لكن في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أن الكم الهائل من الدقائق التي لعبها اللاعب قد يكون ترك أثرًا واضحًا على جاهزيته البدنية، لا سيما مع تقدمه في العمر. فاللاعب الذي يبلغ 35 عامًا يحتاج إلى إدارة مختلفة للأحمال البدنية مقارنة بلاعب في منتصف العشرينات.
وفي النهاية، ربما لا تكون القضية مرتبطة بالأهلي وحده أو ببيتكوفيتش وحده، بل بحقيقة رياضية لا يمكن الهروب منها: الزمن لا يتوقف لأحد، حتى بالنسبة للنجوم الكبار.

