فرض الرياضي والحكمة اللبنانيان نهائيًا محليًا خالصًا على نهائيات دوري السوبر لغربي آسيا لكرة السلة "فاينال 8"، بعد عبورهما العلا السعودي والكويت الكويتي تواليًا في نصف النهائي أمس السبت، لكن الطريق الذي سلكه كل منهما نحو مباراة اللقب كان مختلفًا تمامًا؛ فالرياضي احتاج إلى إدارة التفاصيل الأخيرة لتجاوز العلا 82-78، فيما فرض الحكمة سيطرته بصورة أوضح على الكويت 87-74، ليصل الفريقان إلى النهائي بطريقتين تكشفان الكثير عن شكل المواجهة المنتظرة.
الرياضي ينجو عندما لا تعمل كل أسلحته
كان انتصار الرياضي على العلا نموذجًا لقدرة حامل اللقب على الفوز حتى عندما لا يقدم أفضل نسخة هجومية منه؛ إذ سجل الفريق اللبناني 39.7% فقط من محاولاته الميدانية، واكتفى بـ8 ثلاثيات من 31 محاولة بنسبة 25.8%، كما خسر معركة المتابعات 44-53 أمام فريق جمع 22 متابعة هجومية، ومع ذلك نجح في تعويض هذه الأرقام من خلال إدارة أفضل للاستحواذات والحد من الأخطاء.
ارتكب الرياضي 7 كرات مفقودة فقط مقابل 13 للكويت، وقدم 21 تمريرة حاسمة مقابل 13، وسجل 10 سرقات، وهي أرقام عوضت التفوق السعودي تحت السلة وأعطت حامل اللقب عددًا أكبر من الاستحواذات النظيفة في اللحظات المهمة. وكان الفرنسي ديفيد ميشينو مثالًا واضحًا على المشكلة التي واجهت العلا؛ إذ أنهى المباراة بـ19 نقطة و10 متابعات، لكنه ارتكب 7 كرات مفقودة وحده، بينها أخطاء مؤثرة في الربع الأخير.
وقاد الأمريكي دونوفان ويليامز الرياضي هجوميًا بـ29 نقطة و11 متابعة، وأضاف الأمريكي زاك لوفتون 21 نقطة و7 تمريرات حاسمة، بينها 5 ثلاثيات، فيما قدم هايك غيوكجيان مباراة متكاملة بـ12 نقطة و8 متابعات و5 تمريرات. لكن اللاعب الذي اختصر شخصية الرياضي في الدقائق الأخيرة كان نيك ويست، بعدما تحولت إسهاماته من العمل تحت السلة إلى العامل الأكثر تأثيرًا في حسم النتيجة.
فعندما استعاد العلا التقدم 76-75 في الدقائق الأخيرة، سجل ويست رميتين حرتين أعادتا الرياضي إلى المقدمة، ثم التقط متابعة هجومية حاسمة وسجل من الفرصة الثانية، قبل أن يضيف رميتين أخريين، لينهي اللقاء بـ12 نقطة و9 متابعات. وأظهرت تلك الدقائق مجددًا أن الرياضي لا يحتاج دائمًا إلى ليلة هجومية مثالية من نجومه كي يجد الطريق إلى الفوز، بل يستطيع الاعتماد على المتابعات وإدارة الكرة والخبرة في اختيار الاستحواذات الحاسمة.
ستيوارت يتألق.. لكن العلا يخسر التفاصيل
لم تكن خسارة العلا نتيجة غياب الإنتاج الفردي، إذ واصل الأمريكي إيلايجا ستيوارت مستواه القوي وسجل 30 نقطة بنسبة 62.5% من الملعب، بينها 3 ثلاثيات، ليؤكد أنه كان أحد أبرز نجوم البطولة منذ دور المجموعات. وقدم محمد السويلم "دابل دابل" قويًا بـ15 نقطة و15 متابعة، منها 8 هجومية، فيما جمع الأسترالي ميتش كريك 12 متابعة ووزع 6 تمريرات حاسمة، لكنه عانى هجوميًا بعدما سجل 3 فقط من أصل 13 محاولة.
وعندما تصل مباراة خروج المغلوب إلى فارق أربع نقاط فقط، تصبح التفاصيل الصغيرة أهم من الأرقام الإجمالية؛ فالرياضي لم يسدد جيدًا من الثلاثيات وخسر المتابعات بفارق 9، لكنه حافظ على الكرة بصورة أفضل وامتلك أكثر من لاعب قادر على اتخاذ القرار في اللحظات الأخيرة، فيما دفع العلا ثمن فقدان الكرة وعدم تحويل تفوقه الواضح على الزجاج إلى فارق أكبر على لوحة النتائج.
الحكمة يحسمها في عشر دقائق
أما الحكمة، فسلك طريقًا مختلفًا نحو النهائي أمام الكويت؛ فبعد تقدمه 47-40 مع نهاية الشوط الأول، رفع الفريق اللبناني إيقاعه بصورة واضحة في الربع الثالث، سواء من حيث الضغط الدفاعي أو تنوع الحلول الهجومية، ليحسم الفترة 26-15 ويرفع تقدمه إلى 73-55، وهو الفارق الذي أعطاه السيطرة الكاملة على المباراة قبل آخر عشر دقائق.
ولم تعد أفضلية الكويت 19-14 في الربع الأخير أكثر من محاولة لتقليص الفارق، لتنتهي المواجهة 87-74. وكشف ذلك السيناريو واحدة من أهم نقاط قوة الحكمة في النسخة الحالية؛ الفريق لا يعتمد على لاعب واحد لحمل الهجوم، ويستطيع صناعة الفارق عبر أكثر من مصدر حتى عندما تتغير ظروف المباراة أو يفقد أحد عناصره الأساسية.
عاد الأمريكي إيه جاي إنغليش بقوة بعد غيابه عن المباراة السابقة، فسجل 23 نقطة و7 متابعات و6 تمريرات حاسمة، كما كان الأمريكي ديشاوندري واشنطن قريبًا من "تريبل دابل" جديد بـ22 نقطة و10 متابعات و8 تمريرات. وأضاف مواطنه جمال جونز 18 نقطة، ليجمع الثلاثي 63 نقطة من أصل 87 للحكمة، أي أكثر من 72% من إنتاج الفريق.
وتزداد قيمة هذا التنوع بعدما اضطر الحكمة إلى إكمال المباراة من دون يوسف خياط، الذي تعرض لإصابة في الكاحل خلال الربع الثالث. الفريق لم يفقد إيقاعه بعد خروجه، بل حافظ على الفارق واعتمد بصورة أكبر على إنغليش وواشنطن وجونز، وهو ما يمنحه مؤشرًا إيجابيًا قبل النهائي، حتى لو بقيت جاهزية خياط واحدة من أهم علامات الاستفهام.
وعلى الجانب الآخر، سجل الأمريكي داي داي غرانت 36 نقطة مع 9 تمريرات حاسمة للكويت، لكنه حمل جزءًا ضخمًا من العبء الهجومي، إذ سجل وحده قرابة نصف نقاط فريقه. وبينما استطاع غرانت إبقاء الكويت في المباراة خلال فترات، لم يمتلك الفريق العدد نفسه من الحلول عندما رفع الحكمة إيقاعه في الربع الثالث، فتكرر تفوق الفريق اللبناني على الكويت في نصف النهائي بعد أن كان قد أقصاه من المرحلة نفسها في نسخة 2024.
اقرأ أيضًا
النهائي.. الأرقام تميل هجوميًا للحكمة
عند الساعة 20:45 مساء اليوم الأحد بتوقيت مكة المكرمة، يبدأ فصل جديد من المنافسة التاريخية بين الرياضي والحكمة في مجمع نهاد نوفل، حيث يدخل الأول بحثًا عن لقب ثالث متتالٍ، كما يسعى الثاني لتحويل سجله المثالي في النسخة الحالية إلى أول تتويج له في "فاينال 8".
تمنح المقارنة الرسمية بعد أربع مباريات لكل فريق الحكمة أفضلية هجومية واضحة؛ إذ يسجل الفريق 96 نقطة في المباراة مقابل 89 للرياضي، كما يتفوق في دقة التصويب بنسبة 58.3% من المحاولات الثنائية مقابل 56.5% للرياضي، بينما يصبح الفارق أكبر من خارج القوس، عند 37.1% للحكمة مقابل 25.2% فقط للرياضي.
وتظهر أفضلية أخرى للحكمة على خط الرميات الحرة، حيث سجل بنسبة 85.7% مقابل 70.5% للرياضي، وهي نقطة قد تكون بالغة الأهمية إذا بقي النهائي متقاربًا حتى آخر دقيقتين. نجح الرياضي في تجاوز معاناته من الثلاثيات أمام العلا، لكن تكرار النسبة نفسها أمام فريق يمتلك واشنطن وإنغليش وجونز، وربما خياط، قد يمنح الحكمة القدرة على بناء فارق أكبر خلال فترات قصيرة.
الرياضي يراهن على المتابعات وإدارة الكرة
في المقابل، يتفوق الرياضي في المتابعات بمعدل 42 مقابل 38.3 للحكمة، وفي صناعة اللعب بـ22.3 تمريرة حاسمة مقابل 20.3، بما يعكس قدرة أكبر على تحريك الكرة وصناعة الاستحواذات الإضافية حتى عندما تتراجع دقة التسديد.
هذه الأفضلية تمنح حامل اللقب طريقًا واضحًا للفوز؛ الضغط على المتابعات الهجومية، حماية الكرة، ومحاولة إبقاء المباراة في إيقاع أقل من ذلك الذي يفضله الحكمة. ويملك الرياضي خبرة استثنائية في هذا النوع من المواجهات، بعدما وصلت سلسلته في "فاينال 8" إلى 14 انتصارًا متتاليًا، فيما يقف اليوم على بعد فوز واحد من لقب ثالث على التوالي.
أما الحكمة، فيصل إلى النهائي بسجل مثالي 4-0، بعدما أثبت قدرته على الفوز بأكثر من سيناريو؛ في مباراة هجومية مفتوحة، أو عبر العودة في الربع الأخير، أو من خلال بناء فارق كبير خلال ربع واحد كما فعل أمام الكويت، ما يجعل السيطرة على إيقاع المباراة أحد أهم الصراعات التكتيكية المنتظرة.
ويليامز وواشنطن.. صراع بين تأثيرين مختلفين
الصراع الفردي الأكبر يجمع الأمريكي دونوفان ويليامز ومواطنه ديشاوندري واشنطن، وإن لم يتواجها دفاعيًا طوال المباراة. سجل ويليامز في مبارياته الأربع 28 و36 و33 و29 نقطة، ليبلغ متوسطه 31.5 نقطة ويصبح أكثر مصادر الرياضي الهجومية استقرارًا، مع قدرة إضافية على المتابعات ظهرت بصورة واضحة أمام العلا.
واشنطن يقدم تأثيرًا مختلفًا، إذ يستطيع التسجيل والمتابعة وصناعة اللعب في الوقت نفسه، وقد أنهى نصف النهائي بـ22 نقطة و10 متابعات و8 تمريرات، بعد سلسلة من العروض الكبيرة في دور المجموعات. وإذا اضطر دفاع الرياضي إلى إرسال مساعدة إضافية نحوه، فإن المساحات ستفتح أمام إنغليش وجونز، وربما خياط، بينما سيحاول الحكمة في الاتجاه الآخر منع ويليامز من الوصول إلى المنطقة وإجبار الرياضي على الاعتماد بصورة أكبر على الثلاثيات.
وتزداد المعركة تعقيدًا بوجود لوفتون وإنغليش؛ لوفتون عاد من الغياب وسجل 21 نقطة و5 ثلاثيات أمام العلا، مانحًا الرياضي عنصرًا قادرًا على خلق تسديدته الخاصة، فيما رد إنغليش على عودته بـ23 نقطة أمام الكويت، وأصبح وجوده إلى جانب واشنطن عاملًا يصعّب الضغط على صانع لعب واحد أو مهاجم واحد في منظومة الحكمة.
معركة تحت السلة قد تعوض فارق التصويب
رغم التفوق الواضح للحكمة في النسب الهجومية، يملك الرياضي فرصة لمعادلة الميزان تحت السلة، حيث يمنحه ويست وغيوكجيان وويليامز حجمًا جيدًا وقدرة على صناعة فرص ثانية. وقد ظهر أثر ويست بصورة مباشرة في الدقائق الأخيرة أمام العلا، عندما حول متابعة هجومية إلى واحدة من أهم سلات المباراة.
إذا استطاع الرياضي تكرار ذلك أمام الحكمة، فلن يحتاج بالضرورة إلى التفوق في نسب التصويب، بل إلى الحصول على عدد أكبر من المحاولات والاستفادة من الاستحواذات الثانية. وفي المقابل، سيكون على الحكمة إنهاء كل استحواذ دفاعي بالمتابعة، لأن الدفاع الجيد يفقد قيمته بالكامل إذا استعاد الرياضي الكرة وحصل على فرصة ثانية قريبة من السلة.
ماذا يغير وجود خياط؟
حالة يوسف خياط تبقى أحد أهم الملفات قبل البداية، بعدما سجل 19 نقطة أمام غورغان، و28 أمام العلا، و24 أمام العربي خلال دور المجموعات، وكان أحد أكثر لاعبي الحكمة ثباتًا قبل إصابته أمام الكويت.
وجوده بكامل جاهزيته يمنح الحكمة جناحًا قادرًا على التسجيل من الخارج والاختراق والإسهام في المتابعات، كما يخفف الضغط عن واشنطن وإنغليش. أما إذا غاب أو لعب بدقائق محدودة، فستزداد أهمية علي مزهر وكريم عز الدين وعزيز عبد المسيح في توزيع الدقائق والحفاظ على الطاقة الدفاعية، كما قد يحاول الرياضي رفع الضغط البدني على نجوم الحكمة الأساسيين لإرهاقهم مع تقدم المباراة.
التاريخ للرياضي.. لكن آخر مواجهة للحكمة
يتفوق الرياضي تاريخيًا في مواجهات الفريقين ضمن "وصل" بـ8 انتصارات مقابل انتصارين، كما أنه حسم نهائي 2024 بنتيجة 100-90 بعد وقت إضافي، لكن آخر مواجهة بين الفريقين في المسابقة انتهت لمصلحة الحكمة 105-91 في يناير/ كانون الثاني الماضي.
هذه النتيجة تجعل التاريخ عاملًا مهمًا من دون أن يكون حاسمًا؛ الرياضي يستطيع الاستناد إلى لقبين متتاليين وسلسلة 14 انتصارًا في "فاينال 8"، كما يعرف الحكمة أنه سبق أن وجد الخطة المناسبة لهزيمة حامل اللقب هذا الموسم، وأن سجله الحالي الخالي من الهزائم لم يأتِ عبر سيناريو واحد أو اعتماد على لاعب واحد.
ويحمل النهائي كذلك امتدادًا للمنافسة المحلية، بعدما احتاج الرياضي إلى سبع مباريات لحسم نهائي الدوري اللبناني الأخير أمام الحكمة، ما يعني أن الفريقين يدخلان اللقاء مع معرفة تفصيلية بنقاط القوة والضعف لدى الطرف الآخر، وربما يصبح عنصر المفاجأة أقل تأثيرًا من القدرة على تنفيذ التفاصيل تحت الضغط.
أربعون دقيقة بين الثلاثية الأولى ولقب طال انتظاره
يدخل الرياضي النهائي من أجل تثبيت حقبة تاريخية وتحقيق لقب "فاينال 8" الثالث تواليًا، فيما يبحث الحكمة عن تحويل ثلاث مشاركات متتالية على منصة البطولة إلى أول ذهبية له.
الأرقام تمنح الحكمة أفضلية في التسجيل والتصويب الثلاثي والرميات الحرة، فيما تمنح الرياضي تفوقًا في المتابعات وصناعة اللعب والخبرة في التعامل مع نهايات المباريات الصعبة. لكن نصف النهائي كشف كذلك طبيعة الفريقين؛ الحكمة قادر على صناعة فارق كبير خلال عشر دقائق، والرياضي قادر على البقاء داخل المباراة حتى عندما لا تعمل معظم أسلحته، ثم حسمها عبر استحواذين أو ثلاثة.
وبين واشنطن وإنغليش وجونز وربما خياط في جهة، وويليامز ولوفتون وويست وغيوكجيان في الجهة الأخرى، تبدو المباراة مواجهة بين فريق يمتلك تنوعًا هجوميًا أكبر وحامل لقب يعرف كيف يحول التفاصيل الصغيرة إلى انتصارات.
الساعة 20:45 مساء اليوم ستكون بداية أربعين دقيقة تحمل أكثر من مجرد لقب؛ الرياضي أمام فرصة تسجيل ثلاثية تاريخية، والحكمة أمام فرصة إنهاء السلسلة وانتزاع اللقب من أكثر خصومه معرفة به.

