في كأس العالم 2022، صنع المنتخب السعودي واحدة من كبرى مفاجآت تاريخ المونديال، عندما قلب تأخره أمام الأرجنتين إلى فوز تاريخي بنتيجة 2-1، في ليلة بقيت عالقة في ذاكرة الكرة العالمية والعربية.
لكن المفارقة أن هذا الانتصار الضخم لم يكن كافيًا لعبور الدور الأول. فبعد فرحة الأرجنتين، خسر «الأخضر» أمام بولندا والمكسيك، ليغادر البطولة من دور المجموعات، فيما مضى المنتخب الأرجنتيني في طريقه حتى التتويج باللقب.
ومن هنا يولد السؤال قبل كأس العالم 2026: هل أصبح المنتخب السعودي مطالبًا بتكرار معجزة الأرجنتين أمام إسبانيا؟ أم أن الطموح الحقيقي يجب أن يكون أكثر واقعية ووضوحًا: التأهل من دور المجموعات؟
انتصار الأرجنتين.. لحظة صنعت مجدًا وضغطًا
الفوز على الأرجنتين لم يكن مجرد 3 نقاط. كان لحظة غيّرت صورة المنتخب السعودي عالميًا، ورفعت سقف التوقعات بصورة غير مسبوقة.
قبل تلك المباراة، كان الحديث عن "الأخضر" غالبًا يدور حول المشاركة المشرفة، والتنظيم الدفاعي، ومحاولة الخروج بنتيجة إيجابية. بعد الأرجنتين، أصبح الجمهور ينتظر شيئًا أكبر. أصبح أي منتخب كبير يواجه السعودية قابلًا للمفاجأة في نظر الجماهير.
لكن هذه اللحظة العظيمة حملت وجهًا آخر؛ فقد زادت الضغط على المنتخب. لأن السؤال لم يعد: هل يستطيع المنتخب السعودي الصمود؟ بل أصبح: لماذا لا يكرر ما فعله أمام الأرجنتين؟
وهذا هو الفخ الحقيقي. فالمباريات التاريخية تُلهم، لكنها لا يمكن أن تتحول إلى معيار دائم للحكم على كل مشاركة.
الدرس الأهم من 2022
الدرس الأكبر من مونديال قطر ليس فقط أن السعودية هزمت بطل العالم، بل إن الفوز على بطل العالم لم يضمن لها التأهل.
هذا هو المعنى الذي يجب أن يحكم تفكير «الأخضر» في 2026. المونديال لا يُقاس بمباراة واحدة، مهما كانت عظيمة. التأهل يحتاج إلى إدارة 3 مباريات، حسابات نقاط، فارق أهداف، وانضباط حتى آخر دقيقة.
في 2022، حققت السعودية الانتصار الأصعب، لكنها خسرت الحسابات الأكثر أهمية. وهذا ما يجب ألا يتكرر في 2026.
إسبانيا ليست الهدف الوحيد
وقوع المنتخب السعودي في مجموعة تضم إسبانيا يجعل المقارنة مع الأرجنتين حاضرة بطبيعة الحال. الجماهير ستتساءل: هل يستطيع «الأخضر» إسقاط بطل كبير آخر؟
لكن التفكير بهذه الطريقة قد يكون خطرًا. فالمباراة أمام إسبانيا مهمة، لكنها ليست البطولة كاملة. الفوز على إسبانيا سيكون إنجازًا مدويًا بلا شك، لكنه لن يعني شيئًا إذا لم يُترجم إلى تأهل.
الأهم من إسقاط منتخب مرشح للقب هو جمع النقاط التي تقود إلى الدور التالي. قد يكون التعادل أمام إسبانيا نتيجة ثمينة، وقد تكون الخسارة بفارق محدود مقبولة إذا جاءت ضمن خطة أوسع للتأهل من المجموعة.
الهدف في 2026 يجب أن لا يكون صناعة عنوان عالمي فقط، بل صناعة مشوار مستمر.
النظام الجديد يمنح فرصة كبرى للمنتخب السعودي
في كأس العالم 2026، تغيّر شكل البطولة بشكل كبير. النسخة المقبلة ستقام بمشاركة 48 منتخبًا، موزعين على 12 مجموعة من 4 منتخبات، ويتأهل صاحبا المركزين الأول والثاني من كل مجموعة، إضافة إلى أفضل 8 منتخبات تحتل المركز الثالث.
هذا النظام يمنح المنتخب السعودي مساحة كبرى للمناورة. في النسخ السابقة، كان المركز الثالث يعني نهاية المشوار غالبًا، أما الآن فقد يكون بوابة العبور إلى دور الـ32.
لذلك، تصبح الحسابات مختلفة تمامًا. نقطة واحدة قد تكون ثمينة. فارق الأهداف قد يكون حاسمًا. حتى عدد البطاقات والانضباط قد يدخل في التفاصيل إذا تساوت المنتخبات في الترتيب.
وهنا يجب أن يتعامل المنتخب السعودي مع البطولة بعقلية مختلفة: ليس مطلوبًا الفوز بكل المعارك، بل الخروج بأكبر مكسب ممكن من كل مباراة.
التأهل أهم من اللقطة الجميلة
أجمل ما في الفوز على الأرجنتين أنه صنع ذاكرة خالدة. لكن أقسى ما فيه أنه لم يتحول إلى عبور.
في 2026، يجب أن يكون الهدف واضحًا: التأهل من دور المجموعات. لا يكفي أن يلعب المنتخب السعودي مباراة عظيمة أمام إسبانيا ثم يخسر فرصته لاحقًا. ولا يكفي أن يصنع لقطة ملهمة إذا لم تُترجم إلى مركز مؤهل.
كرة القدم في البطولات الكبرى لا تكافئ دائمًا من يقدم أفضل مباراة، بل تكافئ من يعرف كيف يجمع النقاط، ويقلل الخسائر، ويدير لحظات الضعف.
قد تكون مباراة كاب فيردي، على سبيل المثال، أكثر أهمية من مباراة إسبانيا من ناحية الحسابات. وقد تكون مواجهة أوروغواي مفتاحًا لتحديد ما إذا كان المنتخب السعودي سينافس على المركز الثاني أو يدخل سباق أفضل الثوالث.
من عقلية المفاجأة إلى عقلية المشروع
المطلوب من المنتخب السعودي في 2026 ليس فقط تكرار مفاجأة 2022، بل الانتقال من عقلية «المباراة التاريخية» إلى عقلية «المشروع التنافسي».
المفاجأة قد تحدث مرة. أما التأهل فيحتاج إلى منظومة. يحتاج إلى مدرب يقرأ المجموعة جيدًا، ولاعبين يعرفون أن البطولة لا تنتهي بعد فوز كبير ولا تضيع بعد تعثر أول.
وهنا يظهر دور جورجوس دونيس، الذي سيكون مطالبًا ببناء منتخب يعرف كيف يلعب بأكثر من طريقة. منتخب يستطيع أن يدافع أمام إسبانيا، ويقاتل بدنيًا أمام أوروغواي، ويفرض شخصيته أمام كاب فيردي.
الضغط الجديد على الجيل الحالي
جيل المنتخب السعودي الحالي لا يدخل كأس العالم 2026 من نقطة الصفر. هناك إرث قريب اسمه الأرجنتين، وإرث بعيد اسمه 1994.
هذا يمنح اللاعبين ثقة، لكنه يضعهم أيضًا تحت ضغط كبير. الجماهير لن تكتفي بمجرد الحضور، ولن تنسى أن السعودية هزمت بطل العالم قبل 4 سنوات.
لكن على اللاعبين والجهاز الفني التعامل مع هذا الضغط بذكاء. ليس المطلوب إعادة نفس المشهد، بل تحقيق نتيجة أفضل على مستوى المسار. ولو تأهل المنتخب من المجموعة دون فوز تاريخي على إسبانيا، فسيكون ذلك أكثر قيمة من فوز كبير يتبعه خروج مبكر.
ماذا يعني النجاح في 2026؟
النجاح الحقيقي للمنتخب السعودي في كأس العالم 2026 يجب أن يُقاس بالعبور إلى الدور التالي. هذا هو الهدف العملي والمنطقي.
الفوز على إسبانيا سيكون حدثًا عالميًا، لكنه ليس شرطًا للنجاح. التعادل مع أحد الكبار، والفوز في مباراة قابلة للحسم، والحفاظ على فارق أهداف جيد، قد يكون طريقًا أكثر واقعية نحو التأهل.
في النظام الجديد، لا تحتاج السعودية إلى بطولة مثالية. تحتاج إلى بطولة ذكية.

